الإثنين, يوليو 24, 2017

إذا كنت سورياً


عبير عبده
وهنا، بالضرورة قبل أن تكون سورياً، يجب أن تكون إنساناً؛ لأن في السوريين، كما في غيرهم، مخلوقات على هيئة بشر، تأنف الضواري من أفعالهم وتعافها.

وهنا أيضاً، ليس بالضرورة أن تكون، فقط، سورياً، كي تلامسك هذه الكلمات، فالمشاعر الإنسانية ليست حكراً على شعبٍ بعينه، ولا تتحدد بهوية أو جواز سفر.

فإذا كنت إنساناً، مواطناً في أي وطن، فإن هذه الكلمات تعنيك، ولكن في هذه الحالة، فإن الوطن هو سوريا والمواطن هو سوري؛ لذلك أقول: إذا كنت سورياً..
إذا كنت سورياً، ولدت على أرض سوريا الطيبة، غذيت من ترابها الخضرة والنضرة، ورويت من عيون مائها الطيبة والنقاء.

إذا كنت سورياً، نشأت وكبرت في سوريا مع الإخوة والأقارب، وضاق عنكم في كل عيد بيت الجدة العتيق، لعبت في الحارة مع أبناء الجيران، وقصدت المدرسة ثم الجامعة مع رفقاء الطفولة والصبا، وبعد أن أنهيت تحصيلك العلمي، سعيت جاهداً للهجرة ومطاردة الأحلام في البعيد المجهول، يحدوك الأمل بتحقيق طموحٍ عصي المنال في بلادك.

عند الرحيل، وفي مستهل طريق الاغتراب عنها، أرسلت إليها نظرة الحبيب المودع لتملأ عينيك منها، ثم تباعدت بينكما السبل واتسعت، فصغُرَتْ وصَغُرَتْ إلى أن غابت عن ناظريك وتلاشت.

إذا كنت سورياً، أكلت سنون الغربة العجاف من عمر شبابك، وأثقلت كاهلك الفتي معارك العمل الطاحنة، واستنزفتك معمعة الحياة الصعبة، حتى قاربت روحك على الجفاف والتصحر.

هنالك، في لحظةٍ ما، تتوق للرجوع إلى بلادك، لأجل جرعةٍ من حياة، تحيي روحك وتنعش قلبك، وتمدك – رغم الحرب الدائرة على أرضها- بما لن تمنحك إياه أي بقعة أخرى في رحاب المسكونة.

تحزم أشياءك في حقيبة، وتحزم في داخلك تاريخاً من الذكريات، ومستقبلاً من الخيالات والتوقعات، ممنياً النفس بأن تفرغها جميعاً لديها بعد أن ترتمي في أحضانها الخضراء، فتزيح عن كاهلك كل ما كان يقضُّه، وتغمض عينيك في كنفها.. وترتاح.

وتعود إلى سوريا.. تعود مثقلاً بأوجاع الغربة والفراق، ومحملاً بسنواتٍ من الحنين والاشتياق.

تعود مشتاقاً إلى تراب الأرض والهواء والماء، إلى البحر والجبل، إلى رائحة الخبز والمطر، إلى الشارع والحارة والبناء القديم، تعود مشتاقاً إلى الضيعة وبيوتها ودروبها الوعرة، إلى جبالها وعيونها وبساتينها وأشجارها..

وقبل كل ذلك، يجتاحك شوقٌ إلى الأحبة الذين تنشقوا معك ذاك الهواء، ورشفوا من ذاك الماء، وصعدوا ذات الجبل، وتسلقوا ذات الشجرة، وجمعتكم النزهات الصيفية بعد العصر على ذات الدرب.

تعود إلى سوريا مشتاقاً إلى كل ما كنت في الماضي تتوق إلى لحظة الرحيل عنه!

أخيراً، تهبط بك الطائرة، وعلى أولى درجاتها، يحتضنك النسيم العليل، وتلثم وجهك بحنوٍّ لفحة البرد الرقيقة.

ومنذ لحظة العناق الأولى، تناجيك نفسك: الآن فقط بت أدري بأي أرضٍ أريد أن أموت، وما أدري بأي أرضٍ أموت!

وفي الطريق، تتأمل الأماكن كلها كمن يراها لأول مرة، فتفيض الذكريات وتنساب.

إذا كنت سورياً، بعد أن تفيق من نشوة اللقاء، تهرع للبحث عن كل ما تاقت له روحك، وسكن وجدانك طول سنوات الغربة.

تمشي في حارتك التي تحفظ معالمها شبراً شبراً، وتعرف أهلها جميعاً، فتقابلك البيوت والدكاكين والأشجار المصفوفة على جانبي الطريق، وحين تبحث عن رفقاء الحارة وأبناء الجيران تجد أن كلاً منهم قد مضى أو مُضيَ به في طريق.

تجوب شوارع مدينتك، فتجد ذات المعالم القديمة، فقط أكثر قدماً، وتتأمل في الوجوه، فلا تتبين أحداً تعرفه ويعرفك، فتوشك أن تنكر نفسك، وترجع بالذكريات إلى ماضٍ كان الشارع يعج فيه بالأصدقاء والمعارف، حتى كنت لتكاد تقف كل دقيقة لتسلم على أحد “النازلين ع المشوار” في مساءات الخميس.

أما اليوم، فجلُّ ما تراه في تجوالك هي وجوه غريبة، ليست فقط لـ”نازحين” من مدن سورية أخرى دمرت الحرب مدنهم فتركتهم بلا مأوى، فهؤلاء بالنتيجة ليسوا غرباء، هم أهل البلد مثلك، لكنك تقابل أشخاصاً بسحناتٍ وملامح مختلفة، يتحدثون بألسنةٍ غير مألوفةٍ في أماكن مألوفة.

والعجب كل العجب، أنك بوجودهم، تشعر بأنهم هم “ولاد البلد”، وأنك أنت الغريب الحذر المتهيب، فهم يجوبون وطنك مدججين بالسلاح، فيما يبدأ يتسلل إليك ويدججك شعورٌ موجعٌ بالمرارة وخيبة الأمل.

إذا كنت سورياً، في سوريا، يصبح لزاماً عليك أن تألف الواقع الجديد الذي تفرضه الحرب الشرسة على أهلها، كالمظاهر المسلحة في الشوارع، والحواجز العسكرية، وضجيج الطائرات الحربية التي تشق السماء من حينٍ لآخر.

ومن ناحيةٍ أخرى، حين تنخرط في الواقع المعاش، يتحتم عليك أن تعتاد أبجديات الحياة اليومية للمواطن السوري، مثل روتين انقطاع الكهرباء والماء وغلاء الأسعار والاحتكار وغيرها من ضرائب الحرب الباهظة، وأشد ما يحزنك أن تلحظ وجود أعدادٍ كبيرة من الأطفال المشردين بثيابهم المهترئة نياماً على الأرصفة، أو يبحثون في القمامة، أو يتسولون.. ويحزنك أكثر أنهم قد صاروا ملمحاً عادياً من ملامح مدينتك التي تعايش أهلها مع المشهد وألفوه كما تعايشوا، مكرهين، مع كل بلاء آخر أفرزته ظروف الواقع السوري الأليم.

تتعامل مع المتبقي والطارئ من البشر، فيزيدك شجواً أن الحرب لم تأتِ على الحجر وحسب، بل إنها قد أججت في الضمائر حروباً مدمرة، فلم تبقِ ولم تذر، إلا فيما ندر.

تسأل عن الضيعة فتُنبأُ بأنها “حُرِّرَت”، ثم “حُرِّرَت” مجدداً، وفي سبيل كلتي “حريتيها” هُدِمَ جُلُّها وخلت من أهلها ولم يعد إليها من سبيل، فدونها حواجز وجنود وقتال.

في تلك اللحظة، يتعاظم شعورك بالخسارة والغربة، وتوقظك، بقسوة، من أحلامك الرومانسية كوابيس الواقع المرير، فتحرق وجنتيك وفؤادك دموع الفقد؛ إذ يترسخ لديك يقيناً بأنك تنشد وطناً لم يعد موجوداً إلا في وجدانك، فتتفكر حائراً: إن كانت فيك غربتي.. فإلى أي وطن أعود؟!

إذا كنت سورياً، تحزم، من جديد، حقائب الاغتراب لترحل عن وطنك الذي جئته آملاً أن تئد في ثراه غربتك، فإذا به يئدك في غربة وطن هي أشد وأقسى من غربة المهجر.

إذا كنت سورياً، في زمن التغريبة السورية، فإنك لن تصدح مع فيروز في صباحات سوريا الجميلة: ردني إلى بلادي؛ بل ستصرخ من حيث أنت منتحباً: ردوا بلادي إليَّ.

هافنغتون بوست

1,595 total views, 4 views today

رابط مختصر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *