الجمعة, أكتوبر 20, 2017

إهانة الإنسان المقهور.. المشهد الذي يسبق الثورة دائمًا!


شكلت قضايا المساس بكرامة الإنسان وإهانته، المشهد الأخير لإحداث التغيرات السياسية والاجتماعية في العالم العربي، ففي تونس أحرق البوعزيزي نفسه، فحقق «الهارمون» حلمهم وتخلصوا مما رأوه، استبداد زين العابدين بن علي، وقتل خالد سعيد فخلعت الثورة المصرية الرئيس حسني مبارك بعد حكم دام 30 عامًا.

الآن تعم المغرب موجة غضب؛ لأن محسن فكري طُحن في شاحنة النفايات، لاعتراضه على مصادرة سمك يبتاع منه، لتشترك هذه الحكايات في أن الإهانة والمس بالكرامة، هو من يحرك الشعوب لإخراج الغضب الكامن في الذوات الذي كان بحاجة لمؤثر خارجي يُخرجه من قمقمه على هيئة احتجاجات قوية.

في هذا التقرير نحاول أن نتمعن في أسباب غضب الشعوب عند المساس بكرامة الإنسان المقهور وإهانته .

إهانة المقهور في البلاد العربية

محسن فكري هو شاب مغربي من عائلة بسيطة، لم يحظَ بفرصة عمل تلبي طموحه بوصفه شابًا حاصلًا على شهادة جامعية، انصاع للظروف واضطر للعمل بائعَ سمك متجول كي يعيل أسرته، لكن عناصر أمنية قامت بمصادرة بضاعته وإلقائها في شاحنة النفايات، دفعه ذلك لإلقاء نفسه في الشاحنة محاولًا منع مصادرة قوت أسرته، لتكون ردة فعل الشرطي، هي إعطاء أوامر لسائق الشاحنة بسحق محسن، عندما قال له «طحن مو» (اطحن أمه)!.

عمت المغرب ردًا على جريمة طحن بائع السمك موجة غضب عارمة، وصدمت صورته مخنوقًا في الشاحنة الملايين في المغرب وخارجه، لم يكن وحده الذي راح ضحية القمع في المغرب مؤخرًا، فقد شهدت المغرب جريمة أخرى عرفت بقضية «بائعة البغرير» أو السيدة مي فتيحة، التي أحرقت نفسها احتجاجًا على صفع قائد شرطة بالقنيطرة لها وإهانتها لاعتراضها أيضًا على مصادرة بضاعتها.

إلى الجارة تونس، حيث سجلت واحدة من أشهر حكايات المقهورين الذين تعرضوا لإهانة أودت بحياتهم، إنها حكاية التونسي محمد البوعزيزي، الذي دفعه القهر في 17 ديسمبر (كانون الأول) 2010، لإشعال النيران في نفسه نتيجة قمع الشرطة له عند مصادرة عربته باعتباره بائعًا متجولًا للخضار، كانت وفاة البوعزيزي شرارة الثورة التي أطاحت في 14 يناير(كانون الثاني) 2011، بالرئيس زين العابدين بن علي، ثم لحق بالبوعزيزي الشاب المصري خالد سعيد الذي قتل وهو في الثامنة والعشرين من العمر ضربًا على أيادي مخبري الشرطة المصرية، وقد كان مقتل سعيد الشرارة الأولى للثورة المصرية، ولم يكن خالد سعيد الأخير، فقد صرخ قبل أيام شقيق أشرف شاهين، السائق المصري الذي أحرق نفسه قائلًا «أخويا مات ظلم ومقهور ومش عارف حقه عند مين.. حسبي الله ونعم الوكيل»، وهي الصرخة التي ربما لن تكون الأخيرة بين صرخات ذوي الضحايا، الذين فقدوا حياتهم احتجاجًا على إهانتهم.

الإهانة تدفع للاعتراض والاحتجاج

تعتبر المستشارة النفسية وفاء موسى ما سبق من الحكايات، تجسيدًا للظلم الذي يقلل من كرامة النفس الإنسانية، وتتابع القول: «تختلف ردود فعل كل إنسان عن الآخر تجاه هذا الظلم أو نقص الاحتياج الأساسي للحياة، فمن الناس من يتجه للاكتفاء بنفسه والبعد عن كل المحيط، ومنهم من يناقش ويحاور ويبرز قدراته الكلامية ومنهم من يحشد الناس ومنهم من يشعر بالعجز التام تجاه ما يدور، لكن كل هؤلاء يمتلكون شعورًا بغضب كامن في ذواتهم يخرج حين يلمسون مؤثرًا خارجيًّا ينفض انفعالاتهم الوجدانية ويخرج ثورة غضبهم».

وتوضح أبو موسى لـ«ساسة بوست» أنه من الممكن أن يصبر الناس تجاه ظلم رجال الأمن أحيانًا أو تجاه غلاء الأسعار من التجار، أو من حصار شديد يحيط بأسرهم فكريًا، لكن كل ذلك يتراكم في النفس الإنسانية على هيئة شحنات سلبية ترفع حدة الغضب، إن شاهدوا رجال الأمن يقتلون رجلًا ضعيفًا، ويعتقلون طالبًا، أو يموت أحد المقهورين احتجاجًا على غلاء الأسعار، أو إجبار العقول على تقبل ما لم يقبل سياسيًا أو ثقافيًا.

وتعقب أبو موسى بأن الأسباب السابقة هي مثيرات لشعور الإنسان بالإهانة والظلم مما يدفعه للاعتراض والاحتجاج، وتضيف: «يعتبر المشهد الأخير ما هو إلا القشة التي قسمت ظهر البعير، إذ تتوحد الشعوب في حالة الظلم؛ لأن تلك هي طبيعة النفس الإنسانية، تمتلك موجات كهرومغناطيسية تجاه الشحنات المتشابهة، والتي تتعلق بتوتر الشعور بالظلم والإهانة وتوجه الذات للغضب والتعبير عنه بكافة الطرق، سواء احتجاجات جماهيرية أو غيرها». وتعتبر أبو موسى أن أسوء ما تتجه إليه النفس الإنسانية إزاء الظلم وأحيانًا الانتقام، هو ما يكون في غير مجراه العدلي فيتولد لدي الشعوب الشعور بالذنب تجاه الضحية، والشعور بالذنب لا يظهر إلا في النفس التي ذاقت الظلم فيصعب عليها إسقاطه على نفس أخرى، وتضيف: «حدث الإسقاط هنا هو أسلوب نفسي سلبي ومريض ولا يؤدي بالنفس إلا للهلاك، وهو سلوك غير عادل ولم ينشأ من نظام إنساني سليم».

فتيل الثورة من الإهانة

عقب طحن الشاب المغربي «محسن فكري» باعتباره مشهدًا أخيرًا للإهانة، طرح الكثير تساؤلًا واحدًا: هل يستحق هذا المواطن النهاية بهذه الطريقة لمجرد أنه خالف أمرًا بسيطًا من أوامر الدولة؟ يجيب على هذا التساؤل الطبيب النفسي يوسف عوض الله فيقول: «في الطب النفسي هناك مصطلح (التأثير الاجتماعي) الذي يعني تضامن الشعب مع الضحية التي وقع عليها الظلم، ومن هنا ينشأ فتيل الاعتراض أو الثورة».

ويؤكد عوض الله خلال حديثه لـ«ساسة بوست» على أن ما يصب الزيت على النار هو استعمال البطش والغطرسة على المعترضين على الظلم، من أجل انتزاع الولاء من قلوبهم وترويضهم عن طريق التخويف والقمع والرشا، وتابع القول: «باعتقادي أن ما جرى في الدول العربية هو حراك شعبي حقيقي من أجل التغيير والانعتاق من التسلط والاستبداد، ومن أجل المطالبة بالكرامة والمساواة والعيش الكريم» .

ويقول عوض الله أنه كي نفهم سيكولوجية الإنسان المقهور ينبغي فهم «الدائرة الشريرة» التي تحيط به، إذا يعيش هذا الإنسان وسط كذب المتسلط عليه بوعود إصلاحية ومستقبل أفضل، مما يضطره للكذب على المتسلط متظاهرًا بالولاء والتبعية، حتى يصل المقهور لمرحلة يفقد فيها السيطرة على إرادته ويصبح كجهاز «الرسيفر» الذي يتحكم به «الريموت»، فيصبح لا حق له سوى الرضوخ، ويقع في الدونية، مما يسبب له خللًا في التوازن الوجودي فيتولد لديه توتر نفسيّ كبير يتجاوز طاقته على الاحتمال.

السلاح الأخير.. العنف

يتطرق مؤلف كتاب «التخلف الاجتماعي.. مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور» المفكر والأكاديمي اللبناني مصطفى حجازي، إلى الوسائل الدفاعية التي تستخدم لتفريغ التوتر عند الإنسان المقهور وتقضي على خطر الغليان الداخلي بتصريف الحقد.

أخطر هذه الوسائل حسب المؤلف هي «العنف والقتال، الذي يتخذ معنى التغيير الفعال ويصبح السلاح الأخير لإعادة شيء من الاعتبار المفقود للذات، ويصبح العنف لغة التخاطب الوحيدة الممكنة مع الواقع ومع الآخرين»، فالشخص المقهور حين يشعر بعجزه عن إيصال صوته بوسائل الحوار العادي يتجه إلى العنف، الذي هو حسب المؤلف الوسيلة الأكثر شيوعًا لتجنب العدوانية التي يشعر بها الإنسان المقهور نحو ذاته بسبب فشله.

ويتابع أستاذ الصحة الذهنية بجامعة البحرين، حجازي: «يظل المتسلط يغرس في الإنسان المقهور قيم الجهد والإنتاج والعمل المضني ليكون أداة تخدم أغراضه، ويظل الإنسان المقهور يبذل الحد الأدنى من الجهد ليقينه من أن كل هذا لن يغير وضعه، ولأنه يئس من إمكانية الارتقاء بوضعه وتحسين مصيره من خلال جهده الخاص، لذا تشيع أساليب مثل الرشوة وغيرها من الطرق الملتوية في الإثراء بشكل سريع». ويشير المؤلف إلى أن العدوانية والعنف ينخران بنية المجتمع رغم مظاهر السكون والمسالمة الظاهرية، و يظل العنف هو لحظة انفجار الحقيقة الكامنة في بنية التخلف، ويبين حجازي أن: «الإنسان المقهور في حالة تعبئة نفسية دائمة استعدادًا للصراع، يبدو ذلك على محياه وفي حركاته، ولأقل الأسباب ينفجر سيل من السباب ويتدهور الخطاب اللفظي إلى المهاترة، التحدي والوعيد والعدوانية اللفظية، وينهار التفكير المنطقي وتطغى الانفعالات وتشل القدرة على تفهُّم الآخرين، وأحيانًا ينفذ التهديد ويحدث الاشتباك باستخدام العضلات أو السلاح، ذلك لأن هناك إحساسًا دفينًا بانعدام فعالية اللغة اللفظية».

ساسة بوست

 

رابط مختصر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *