الأحد, مارس 26, 2017

الظواهري و«النصرة» و«بطة القاعدة»

 

رصد سوريا
أدلى زعيم تنظيم «القاعدة»، الدكتور أيمن الظواهري، بسلسلة مواقف تستحق التوقف عندها في كلمته التي وجهها قبل أيام. لم يكن لافتاً فيها هجومه العنيف على إبراهيم البدري (أبو بكر البغدادي)، زعيم التنظيم الذي يُطلق على نفسه اسم «الدولة الإسلامية»، أو «داعش»، كما يُعرف على نطاق واسع، فمنذ افتراق طريق الرجلين على خلفية مرجعية «جبهة النصرة» في سورية، بين نهاية 2013 وبداية 2014، لم يقصّر قادة «القاعدة» و «داعش» في تبادل إطلاق النعوت اللاذعة في حق بعضهم البعض.

حاول الظواهري، في كلمته تفنيد ما اعتبره حملة افتراءات وكذب يشنها أنصار البغدادي على «القاعدة» لتشويه صورتها «الجهادية»، كما قال. وفي هذا المجال، نفى أنه يقبل أن يكون النصارى «شركاء» في الحكم في مصر، وكأن هذه تهمة تستحق النفي. نفى أيضاً «الزعم… أننا لا نكفّر الشيعة وننهى عن قتالهم». وهذه أيضاً تهمة لا بد أن يتم التبرؤ منها (طالب بقتل رجال الجيش والشرطة لأن غالبيتهم شيعة، عوض استهداف عموم أتباع هذا المذهب). وبعدما نفى قبوله الاحتكام إلى «الطاغوت» (الحكّام في الدول العربية أو المؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة)، أو قبول معاهدات تسمح لـ «الكفّار» بالسيطرة على أراضي المسلمين، سجّل «تمايزه» عن «داعش» برفضه إيذاء «كل من تحرّم الشريعة العدوان عليهم»، في تلميح إلى المسيحيين في البلدان الإسلامية، ومؤكداً في المقابل رفضه أيضاً تفجير المساجد والحسينيات، وهو أسلوب اعتاد «داعش» تبنيه. لكن الظواهري لم يوضح هل يشمل موقفه هذا تفجير «داعش» الكنيسة القبطية في القاهرة أخيراً، ولا إذا كان يشمل ممارسات قام بها تنظيم «القاعدة» نفسه، مباشرة أو من خلال فروعه، مثل خطف صحافيين وغربيين (لمجرد أنهم غربيون) وحتى راهبات كما حصل في دير معلولة قرب دمشق قبل سنوات.

في أي حال، كل ما سبق من مواقف لا يبدو غريباً صدوره عن «القاعدة» وزعيمها. فكثير منها إنما هو تكرار لمواقف سابقة. لكن ما يستحق التوقف عنده هنا، قد يكون موقف الظواهري من أميركا، إذ دعا من سماهم «مجاهدي أمتنا» إلى جعل استهداف الأميركيين وحلفائهم «أولوية»… ولكن مع «مراعاة ظروف كل ساحة جهادية بما يحقق مصالح الجهاد».

وربما كان هذا بيت القصيد، فالواضح أن الظواهري يريد إعطاء ما يُعرف بـ «فروع القاعدة» حرية أن تنأى بنفسها، ولو موقتاً، عن استراتيجية التنظيم في استهداف «العدو البعيد»، المتمثل بالأميركيين (والغرب عموماً). والمقصود بكلامه هنا، كما يبدو جلياً، هو «جبهة النصرة» التي أعلنت في الصيف الماضي تغيير اسمها إلى «جبهة فتح الشام» وفك ارتباطها بـ «القاعدة». والظواهري، في كلمته، يبرر لـ «النصرة» خطوتها هذه بحجة أنها تندرج في إطار «مراعاة ظروف» الساحة السورية.

هل يتضمن هذا الموقف تناقضاً على أرض الواقع؟ فماذا يعني أن يقول الظواهري إن «القاعدة» تضع نُصب أعينها استهداف الأميركيين كـ «أولوية»، لكنها على رغم ذلك، تترك لفرعها السوري أن لا ينبري لهذه المهمة ذات «الأولوية» انطلاقاً من أن «ظرف» الساحة السورية لا يسمح بذلك، كون هذه الساحة، كما هو واضح، ليست «النصرة» وحدها من يتحكم بها. وبما أن تغيير «الأولوية» ناتج عن «الظرف» وليس الاقتناع بخطأ الهدف، فهل يتوقع الظواهري وقادة تنظيمه أن يصدّق الأميركيون وحلفاؤهم أن «النصرة- فتح الشام» لم تعد فرعاً سورياً لـ «القاعدة» ولم تعد تريد استهداف الغرب لمجرد أن «ظرفها» لا يسمح بذلك؟

قبل أيام، راج كلام على نطاق واسع في شأن «وحدة» سيُعلن عنها بين «النصرة- فتح الشام» وبين العديد من الجماعات «الجهادية» السورية، وهي خطوة تهدد في الواقع بتفكك عدد من هذه الجماعات نظراً إلى حجم المعارضات الداخلية فيها للاندماج مع «النصرة» في تشكيل واحد. وأحد حجج المعارضين لقيام مثل هذا التنظيم الموحد في سورية يندرج في إطار الخوف من أن يشمل التوصيف «الإرهابي» المطبّق عالمياً على «النصرة» بقية الفصائل المتوحدة معها، ولو كان الظواهري أباح لها حرية عدم السير في مهاجمة الأميركيين وحلفائهم.

في الإنكليزية قول مأثور يمكن أن يُترجم كالآتي: إذا كنت تسير كالبطة، وتقيق كالبطة، وتسبح كالبطة… فلا شك في أنك بطة. و «النصرة»، في أعين الأميركيين على الأقل، ستبقى على الأرجح «بطة القاعدة»… حتى لو مشت كالغزال وغرّدت كالعصفور!

كميل الطويل – الحياة

رابط مختصر:

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *