السبت, نوفمبر 25, 2017

العيادة البيطرية المتنقلة في الغوطة.. نقلة نوعية في العمل الإغاثي

تمتاز الغوطة الشرقية منذ قدم الزمان بخصوبة أراضيها وتوفر فرص كبيرة للعمل في المجالين الزراعي والحيواني، وذلك نظراً لعمل أهل الغوطة منذ مئات السنين بهذه المهنة ولا سيما مهنة تربية الأبقار، التي أصبحت في عهد الأسد الابن تتقلص بفعل الضغوطات التي مارستها الحكومة على المزارعين ومربي الأبقار بالإضافة إلى الأحداث الأخيرة على مدى خمس سنوات في هذه البقعة الخيّرة من سوريا.

ولعل فقدان الموارد الزراعية والبيطرية هي من أبرز المشاكل الإقتصادية التي تعاني منها غوطة دمشق الشرقية، إذ أنّ مربي الأبقار اليوم لم يعد كسابق عهده، فالأعباء الإقتصادية التي تتعلق بارتفاع أسعار الأعلاف بالإضافة إلى تحليق مرتفع لأسعار الأدوية البيطرية (إن وجدت) جعلت الكثير من الفلاحين يحجمون عن هذه المهنة ويقبلون على مهن مؤقتة ليس لها أعباء شديدة مقارنةً مع مهنة تربية الأبقار.

يقول “أبو صالح” أحد مربي الأبقار في الغوطة الشرقية لـ “إقتصاد”، إن أبرز المواد البيطرية التي تم فقدانها هي المضادات الحيوية، وهي مادة لازمة ومطلوبة بشكل كبير، فقبل الثورة كان سعرها 200 ليرة سورية، أما الآن وصل سعرها إلى 5000 ليرة سورية إن وجدت.

وتابع “أبو صالح”: “أنا أحدثك فقط عن المضادات الحيوية، فما بالك بباقي الأدوية البيطرية اللازمة لعلاج الأمراض التي تفتك بالثروة الحيوانية!!”.

ويضفي تدهور الثروة الحيوانية الذي تعيشه الغوطة الشرقية وضعاً إقتصادياً صعباً على أغلب المزارعين والفلاحين، الأمر الذي استدعى منظمات العمل الإنساني إلى التدخل بشكل سريع وتوفير الطرق المناسبة لمنع هذا التدهور.

يقول “فراس المرحوم” مدير مكتب هيئة الإغاثة الإنسانية الدولية في الغوطة الشرقية لـ “اقتصاد”، إن سوء الوضع الإقتصادي وانعدام مصادر الدخل أبرز الأسباب التي جعلت مربي الثروة الحيوانية في الغوطة يبتعدون عن هذه المهنة التي يعتبرونها مهنة أجدادهم في هذه البقعة الجغرافية من الأرض السورية والغنية بمختلف الموارد، وهذا ما جعلنا في هيئة الإغاثة نبادر إلى إيجاد حلول سريعة تعزز صمود الأهالي داخل الغوطة، وكان أحد هذه الحلول تسيير العيادة البيطرية المتنقلة الأولى من نوعها في الغوطة الشرقية، والتي تقدم كافة الخدمات البيطرية من علاج واستشارات بشكل مجاني للفلاحين.

ويضيف “المرحوم”: “استطعنا من خلال هذا المشروع مساعدة الفلاحين على تحمل الأعباء الإقتصادية المتعلقة بتكاليف الأدوية والعلاج للمواشي والأبقار التي يملكونها، وبالتالي وقف نزيف الثروة الحيوانية المستمر منذ خمس سنوات في الغوطة الشرقية”.

ولعل الأمراض التي تفتك بالثروة الحيوانية لا تقل أهمية عن الأمراض التي تعصف بالبشر، فكلاهما له آفاته وأضراره، ولا سيما أن للثروة الحيوانية دور مهم في بناء الإقتصاد الداخلي للغوطة.

يقول الدكتور “محمد فؤاد صبحية”، مدير مشروع العيادة البيطرية المتنقلة، إن الأمراض التي تجتاح الأبقار والمواشي من شأنها أن تؤثر على إنتاج الثروة الحيوانية من لحوم وحليب ومشتقاته، على سبيل المثال، مرض حمى الحليب الذي انتشر مؤخراً بشكل واسع بين الأبقار داخل الغوطة يكلّف الفلاح مبالغ كبيرة في علاجه، فبعد أن كانت تكلفة هذا المرض 500 ليرة سورية قبيل الثورة في سوريا، وصل الآن إلى 7000 ليرة سورية في كل كشف يقوم به الطبيب البيطري، وقد يحتاج إلى أكثر من ثلاثة كشوفات حتى يختفي المرض، وبذلك يتكلف الفلاح 21000 ليرة سورية وهو مبلغ ضخم مقارنة بالإنتاج. وينوه الدكتور “صبحية”: “ونحن بدورنا تكفلنا في مثل هذا المرض وغيره بتقديم الكشف والعلاج والإستشارة بشكل مجاني”.

وكشف الدكتور “صبحية” أن العيادة المتنقلة استطاعت (على مدى أربعة أشهر من تسييرها) علاج كافة أمراض الحيوانات التي كان أكثرها شيوعاً أمراض الجهاز الهضمي، بسبب سوء نوعية الأعلاف المقدمة للحيوان نتيجة الحصار المفروض على الغوطة الشرقية، بالإضافة إلى أمراض ضعف الخصوبة الناتجة عن سوء التغذية فضلاً عن العديد من حالات الإلتهاب كإلتهاب الضرع والرئتين المنتشرة بكثرة بسبب تغير الظروف الجوية، مشيراً إلى أن العيادة تعمل ضمن جدول زمني محدد في كل منطقة من مناطق الغوطة، حيث تم تسييرها في مدن (مسرابا – دوما – بيت سوى – الأشعري – حمورية – عين ترما – جسرين – كفر بطنا – سقبا – الإفتريس).

استطاع “اقتصاد” الوصول إلى أحد المستفيدين من خدمات العيادة البيطرية المتنقلة، السيد “توفيق سريول”، يؤكد أن الأبقار التي يملكها لا يستطيع تحمل أعباء علاجها لوحده، ولا بد من تضافر الجهود بين المؤسسات المعنية والمربي داخل الغوطة من أجل إيصال الثروة الحيوانية إلى بر الأمان ومنع تدهورها. وعقّب “سريول”: “فالعيادة المتنقلة وفرت عليّ مبلغ يزيد عن 20000 ليرة سورية”.

ولعل مثل هذه الأعمال التنموية التي تقوم بها منظمات العمل المدني داخل الغوطة الشرقية من شأنها أن تؤثر تأثيراً كبيراً على قاطني الغوطة في استمرار صمودهم بعيداً عن الحملات الإغاثية التقليدية التي تم اتباعها خلال الفترات الماضية، وذلك في تطور لافت للعمل التنموي الذي من أهم مبادئه “لا تعطني سمكة، بل علمني كيف أصطادها”.

اقتصاد مال واعمال السوريين

رابط مختصر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *