الخميس, أغسطس 24, 2017

الهند.. فيتنام.. جنوب إفريقيا ثلاثة نماذج في المفاوضات والمصالحة


نجم الدين السمان – كاتب سوري 

1 – غاندي السلميّ.. والاحتلال البريطاني: في عام 1927 أرسلت بريطانيا بعثة برئاسة جون سيمون لمفاوضة الهنود حول الدستور الهندي الجديد. فرفض غاندي الاشتراك في المفاوضات؛ ودعا إلى مقاطعة البعثة ببقاء الهنود في بيوتهم وعدم الخروج الى الشارع.. طوال وجودها في الهند، وبالفعل رجعت البعثة خائبة.. من دون أيّة نتيجة. وفي عام 1930 نظم غاندي مسيرة كبيرة من مدينة سابرماتي أشرام حتى مدينة داندي، تحدياً للقانون البريطاني الذي حرم السكان المحليين من إنتاج الملح وحصره بالبريطانيين فقط، وفرض ضرائب عالية على بيعه. وقد قطعت المسيرة 240 ميلاً (نحو380 كم) مشياً على الأقدام وانضم إليها مئات الآلاف من سكان القرى والمدن. وقد أدّت هذه المسيرة إلى: انتشار اليقظة السياسية الوطنية في الهند عامة، وانضمام الفلاحين والنساء إلى الحركة الوطنية. وفي العام نفسه دُعي غاندي مع عدد من قادة حزب المؤتمر للمشاركة في مائدة مستديرة لوضع دستور جديد للهند. وعندما لمس غاندي مُراوغةَ الجانب البريطاني في المفاوضات.. قاطعها، وقفل راجعاً إلى بلده ليتابع كفاحه السلميّ.
كان خطر تقسيم الهند حاضراً بقوة في عهد غاندي؛ وقد حصل بالفعل حين انفصلت باكستان عن الهند؛ وهو ما رفضه غاندي؛ لكنه لم يستطع منعه؛ كما أن خطرَ تقسيم سوريا ما يزال قابَ قوسين أو.. أدنى؛ ولن يستطيع أحدٌ أن يمنعه؛ بل إن قوى إقليمية ودولية تتطامن حِيالَهُ.. كما النعامة!!.

2- فيتنام.. في جينيف أيضاً
بلدان مُقسّمان تحت الاحتلال: أحدهما: مٌحرَّرٌ بقيادة هوشي منه؛ والثاني مُحتلٌّ فرنسياً؛ وكان هوشي مينه لا يُمانع في عقد مفاوضات مع الفرنسيين؛ بينما كان الجنرال جياب مٌتشدداَ حيالَ أية مفاوضات لا تُفضِي إلى رحيل الفرنسيين؛ وكان حتى في فترة الهدنة الشهيرة التي استمرت 3 أشهر يُخاطب قائد القوات الفرنسية في فيتنام:
– الكفاح السلميُّ مُتواصل في صفوف شعبنا لكننا سنبقى مُتأهبين لكم عسكرياً؛ عزّزوا مواقعكم؛ لأننا سنهزمكم ما أن تنتهي الهدنة.
وبالفعل فقد فشلت المفاوضات واستمرت حركة المقاومة.
وقبل مفاوضات جينيف 19544 لحلَ الأزمة الفيتنامية؛ استطاع الجنرال الفيتنامي جياب إحراز نصرٍ حاسمٍ على الفرنسيين في معركة ديان بيان فو؛ بعد حصارٍ استمرّ 60 يوماً؛ حيث أقرت اتفاقية جينيف بسيطرة هوشي مينه من خطّ عرض 17 فشمالاً؛ تأسست على إثرها جمهورية فيتنام الشمالية وصار ما جنوب خط العرض 17 جمهوريةَ فيتنام الجنوبية؛ الموالية لأمريكا بعد انسحاب الفرنسيين منها؛ وفرض الامريكيون نغوين ديام على الإمبراطور باوداي كرئيسٍ للوزراء؛ لكن تنامي النقمة على حُكمه عزّز فرصَ المقاومة الفيتنامية الجنوبية: الفيتكونغ؛ والتي دعمها هوشي مينه بكلّ السُبل؛ فبدأت حرب عصابات في جنوب فيتنام ضد الوجود الامريكي؛ ردَّت عليها أمريكا بغارات النابالم الوحشية على كامل فيتنام الشمالية؛ حتى عاش الفيتناميون في سراديبَ تحت الأرض هرباً من القصف الوحشي ومن إحراق قرى وبلداتٍ فيتنامية بأكملها؛ وخلالها توفيَ هوشي مينه عام 1969 دون أن يُحقق حلمه في توحيد فيتنام وتحريرها كلّها من الاحتلال الأمريكي بعد الفرنسي؛ لكن وحشيةَ القصف الجوي اليومي لم يمنع الثوار الفيتناميين من تحرير جنوب بلدهم: قريةً قريةً ومدينةً مدينةً.. حتى سقوط سايغون عام 1975

3- جنوب افريقيا.. جنوب مانديلا:
مع تنامي النضال السلمي الذي أطلقه مانديلا واستمراريته ضد نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا؛ وتصاعد حركة الاحتضان الشعبي العالمي لنضال مانديلا ورفاقه؛ تمّ إجبارُ بريطانيا راعيةِ نظامِ الفصل العنصري أن ترفع يدها عنه؛ فاضطرت حكومة دي كليرك إلى طرح مُبادرةٍ أُحاديّةِ الجانب؛ لعقد مفاوضاتٍ بدءاً من عام 1990 استمرّت حتى 1993 مع المؤتمر الوطني الأفريقي بقيادة مانديلا؛ تهدف الى تفكيك نظام الفصل العنصري بشكلٍ تدريجيّ والانتقال إلى انتخاباتٍ يشارك فيها جميع مواطني جنوب أفريقيا من السود والبيض؛ وكان الشرط الأساسي في هذه المفاوضات تفكيكُ الأجهزة الأمنية لشرطة دولة الفصل العنصري وبخاصةٍ وحدةَ مكافحة الإرهاب فيها؛ برئاسة العقيد يوجين دي كوك؛ وهو ما اضطر رئيس الوزراء الابيض دي كليرك لإنشاء لجنة عولدستون الشهيرة التي قامت بتفكيك هذا الجهاز الأمني الذي طالما قَمَعَ الأفارقة بكلّ الوسائل الوحشية.
لولا ذلك الإجراء لما كان لانتخاباتٍ مُتعددِّةِ الأعراق أن تجري وأن يفوزَ بها حزب المؤتمر الإفريقي بقيادة نيلسون مانديلا؛ وبدون إقصاءِ الأجهزة الأمنية التي قمعت السود ما كان لأول دولةٍ تعدديةِ الأعراق في القارة الإفريقية أن تنشأ وأن تستمر.

198 total views, 2 views today

رابط مختصر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *