الإثنين, أغسطس 21, 2017

ترامبِيشِن الثالث عشر


نجم الدين السمان – كاتب سوري 

قال مصطفى لصديقه آرام السوري:

– حتى الآن لم أفهم كيف صَوَّتَ الأميركيون لترامب؟!

– إذا أردتَ أن تفهم.. شاهِد سلسلة أفلام الكاوبوي.

– أعرفها.. فَلَقُوا رأسَنَا بها في صالات السينما وفي التلفزيون.

– هل تتذكر منها فيلمًا.. يا اصطيف؟!

– أتذكّر فيلم: من أجل حَفنَةٍ من الدولارات.

فأردفَ أرام:

– عن “كاو بوي” أميركي في قرية مكسيكية؛ بينما يبني ترامب جدارًا مع هؤلاء المتوحشين.

– لا تقل مُتوحشين؛ هذا ليس إنسانيًا!

– لست أنا مَن يقول؛ بل “اليانكي” الأبيضُ مَن يقول هذا؛ عن الهنود الحمر؛ وعن المكسيكيين؛ وعن الزنوج وسواهم من أعراق الشرق والجنوب.

– لكنّ هذا قد انقضى؛ أميركا اليوم ليست هكذا.

حَدَّق أرام في عينيّ صديقه:

– الأفضلُ أن تقول: ليست كلُّ أميركا هكذا؛ وبخاصةٍ أنك سألتَ: لماذا انتخبوا ترامب؛ اذهب الآن وشاهد الفيلم الذي تذكّرتَهُ؛ ثمّ نُتابع حديثنا.

فلمّا التقى مصطفى بصديقه آرام في اليوم التالي؛ قال له:

– شاهدتُ الفيلم بعد 20 عامًا من أول مُشاهدة.

– فما الذي اختلف: صورة الكاوبوي المُخلّص؛ أم صورة المكسيكيّ الشرير؟!

– الاثنتان معًا.. يا آرام؛ فعندما كنتُ مُراهقًا أُعجِبتُ بكلينت إيستود؛ على طريقة المراهقين في الإعجاب بنجوم ونجمات السينما؛ لكنّي البارحة رأيته بعينين جديدتين؛ كصورةٍ هَزليةٍ للكاو بوي الذي لا يُهزَم؛ ولا تَنفَذُ رصاصاتُ مسدسه؛ أما الحقيقة التي لم تتغيَّر فهي عِشقُهُ للدولارات.

– وماذا عن المكسيكيين يا اصطيف؟!

– لا وجودَ لهم في الفيلم؛ سوى من إشاراتٍ عابرة؛ مثل “ماري لوبا” رمزًا للمكسيك المُختطفة من قبل المافيا؛ وشخصية صانع التوابيت كما لو أنّها قَدَرُ المكسيكيين المَحتوم؛ وما تبقّى منهم: وحوشٌ آدميَّة مِمَّا قبل التاريخ؛ قتلةُ مُتسلسلون بالوراثة؛ رجال شرهون للأكل والمال والجنس ونَزعَة التملّك والسيطرة؛ مع طاعة عمياء للقويِّ المُستبدّ فيهم؛ وغباءٍ يكادُ يشمل الجميع.

– ثمّة ملاحظةٌ يا اصطيف تتبلور في آخر الفيلم؛ تجعل من الكاو بوي “جو” نسخةً أميركيةً من “روبن هود” البريطانيّ؛ ولو أنّ هوليود تعرِفُ تُراثنا العربيّ؛ لجعلته نسخةً من الشعراء الصعاليك.

لكن مصطفى قطع تلك التداعيات:

– وما علاقة هذا بترامب؛ وبانتخاب الأميركيين له؟!

– أحفاد راعي البقر “جو” كثيرونَ في أميركا؛ وهم الذين انتخبوا ترامب؛ بل إنهم يتمنّون لو بقيت أميركا مثل “غيتو” كبيرٍ لهم؛ ولهم فقط؛ بعد أن سلبوها من الهنود الحُمر، سكانها الأصليين؛ يتمنّون لو أنّ بينهم وبين المكسيك جبلًا من نار؛ حتى لا يتدفّق رُعَاعُ الأرض عبرَ حدودهم.

– مع أن المكسيكيين مسيحيّون مثلهم؟!.

– تقصد كاثوليك؛ بينما أغلبُ الأميركيين بروتستانت؛ وأكثرُهم إنجيليّون؛ وبينهم إنجيليّون توراتيون.. لهم مستوطنات مُغلقةٌ في الجنوب الأميركي؛ وبين هؤلاء جميعهم.. نشأ ترامب؛ وأكثرُهم قد انتخبوه.

– ستقول يا آرام بعد قليل؛ ما يزال هناك جنوبٌ وشمالٌ على الرغم من توحيد أميركا.

– وغربٌ وشرقٌ أيضًا في أميركا ذاتِها؛ ألم تسمَع بمطالب انفصالِ “لوس أنجلوس” عن الحكومة المركزيّة في واشنطن؟

– ومع ذلك خرجت مظاهراتٌ غاضبة ضدّ ترامب بعد يومٍ من تولّيه السلطة؛ والمظاهرات التي في المطارات ضدّ منع الوافدين؟!

– تلك ميزةٌ أميركا برغم نقائِضِهَا؛ والمِيزة الأهمّ: قضاؤها المُستقلّ الذي أوقف العمل بقرار ترامب الخاصّ بحظر دخوِل المسلمين من دول سبع.

قال مصطفى: – أميركا قارَّةٌ من المتناقضات في دولةٍ واحدة؛ ومع ذلك فهي أقوى دولة في العالم!

– لأنّ أغلب دول العالم مُثقلَةٌ بأعباء تواريخها؛ بينما أميركا لا تاريخَ لها؛ سوى مستقبلها؛ وذاك سِرُّ ديمومتها؛ بل.. وجَبَروتها.

– وأين ترامب من كُلِّ هذا؟!

– ترامب يا صديقي، نسخة أميركية مُحَدَّثَة من راعي البقر؛ يانكيٌّ بغرَّةٍ شقراء؛ يعشق البشرة البيضاء ويكرهُ كلَّ البشراتِ الأخرى؛ مُتعصِّبٌ دينيًا وبراغماتيّ معًا؛ يفعل كلَّ شيءٍ لأجل حَفنَةٍ من الدولارات؛ حتى صارت الحَفنَةُ إمبراطوريةً مالية؛ يكره الشعرَ ويعشق “الروك أند رول”؛ يكرهُ الأوبرا ويعشق الحفلات الحمراء الماجنة؛ يكره الضعفاء ويحترم الأقوياء؛ حتى لو كانوا من أعدائه.

– هذه صفاتُه يا آرام؛ فماذا عن اللعبة الانتخابية التي أوصلته إلى الرئاسة؟

– اسألني أيضًا يا اصطيف.. أين أوباما من كلِّ هذا؟؛ فلولا أوباما لم يأتِ ترامب؛ ولولا جورج بوش الابن لم يأتِ كلينتون؛ وتلك أيضًا مِيزةٌ أميركية في الانتقال ما بين الحزبين؛ حتى لا يستبدَّ أحدُهُمَا بالمجتمع إلى ما لانهاية.

ضحك مصطفى:

– بل.. حتى لا يرفسَهُم الحمارُ الديمقراطيّ؛ أو يدوسَهم الفيلُ الجمهوري؛ أكثرَ من 8 سنواتٍ مُتتاليات!!.

فبكى آرامُ بدل أن يضحك:

– أما نحن فترفسنا البغالُ/ النِغالُ؛ وتنهشنا الوحوشُ بكلِّ أنواعِهَا؛ فلمّا صارت بلدنا مزرعةً لآل الوحشِ الذين أسمو أنفسهم أسودًا؛ جلبوا إلينا كلَّ الحيوانات المُفترِسة؛ من الذئبِ الفارسيّ؛ إلى الدُبِّ الروسيّ؛ إلى الضِبَاع الداعشيّة وأخواتها؛ حتى صارت بلدُنا حديقةً عامةً لآكِلِي لحومنا؛ ثم تلذّذت بنا أسماكُ البحر وقروشُهُ وحِيتَانُه.

*- من سلسلة: حكايات آرام السوري

جيرون

146 total views, 3 views today

رابط مختصر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *