الإثنين, يوليو 24, 2017

جيش الرب الآوغندي.. ماذا تعرف عن الوجه المسيحي لـ«داعش»؟


سألوا عبد الكريم: «هل تنأى بنفسك عن هجمات تشارلي إيبدو في باريس التي وقعت يوم السابع من يناير (كانون الثاني)»، فرد عليهم: «ولماذا علي أن أتبرأ من هذا الهجوم»، فكان الرد «لأنك مسلم.. نحن لا نقول أن كل مسلم هو إرهابي، لكن بالتأكيد فإن كل إرهابي هو مسلم».

عبد الكريم كان منطقيًا إلى حد كبير، فأعلن أنه بالفعل يتبرأ من هذا الهجوم ومن كل متطرف يسيء إلى دينه ويحاول استغلال الدين لتبرير الإرهاب، لكنه في الوقت نفسه ذكرهم بأمرين هامين، الأول أن الشرطي الذي حاول منع الهجوم كان مسلمًا وعامل المتجر الذي أنقذ اليهود من أحد الهجمات التي شهدتها باريس كلن مسلمًا أيضًا.

وماذا عن الأمر الثاني؟ عبد الكريم التفت إلى مستجوبيه وبدأ هو في إلقاء الأسئلة: «وماذا عنكم، هل تبرأتم من الإرهابي المسيحي برايفيك الذي كان عضوًا في جماعة فرسان المعبد المسيحية وأنتم أيضًا مسيحيون». رد عليه أحدهم: «دعنا نقول أنه توجد حالات فردية من الإرهابيين المسيحيين المريضين نفسيًا، لكن لا توجد ميليشيات إرهابية مسيحية».

فجاء الرد من عبد الكريم سريعًا: «وماذا عن كوني؟». جوزيف كوني الذي تنشر ميليشياته المسيحية المسلحة في أوغندا لتقوم باغتصاب النساء وذبح المدنيين الأبرياء بالسكاكين والسواطير، هذه الميليشيا التي تسعى لإقامة دولة دينية تتخذ من الوصايا العشر مرجعًا لها.

وقبل الخوض في التفاصيل، نذكر أن المشهد السابق كان جزءًا من برنامج كوميدي في أحد القنوات التليفزيونية الألمانية والذي كان يهدف لتسليط الضوء على الاتهامات للإسلام بالإرهاب واعتبار كل المسلمين إرهابيين وأنهم لا بد من أن يتبرأوا بشكل دوري من الأعمال الإرهابية التي يقوم بها «تنظيم الدولة الإسلامية- داعش»، بينما هناك إرهابيون آخرون مرتبطون ببقية الأديان.

 

هذه الميليشيا التي يقودها جوزيف كوني تعرف باسم «جيش الرب الأوغندي»، ونلاحظ أن اختيار التسمية له مرجعية دينية بحتة بالفعل، وبالتالي فهي تسمية مشابهة لـ «الدولة الإسلامية».

جيش الرب الأوغندي وداعش.. أسس متشابهة

جيش الرب المقاوم، هو جماعة متمردة وطائفة مسيحية غير متجانسة تعمل في شمال أوغندا وجنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية. تعرف أيضًا باسم جيش الإنقاذ المقدس المتحد، وباسم الجيش أو الحركة المسيحية الأوغندية.

وتتمثل أهداف هذا الجيش المعلنة في إنشاء ديمقراطية متعددة الأحزاب، وحكم أوغندا وفقًا للوصايا العشر، والقومية الأتشولية، ولكن في الواقع فإن جيش الرب ليس مدفوعًا بأي أجندة سياسية محددة، وتعكس استراتيجيته وتكتيكاته العسكرية هذا الأمر. ويبدو أنها تعمل إلى حد كبير كطائفة شخصية لزعيمها جوزيف كونى، وهو الذي أعلن نفسه نبيًا، ومنحته هذه القيادة لقب «ديفيد كوريش أفريقيا».

نتوقف هنا للحظة، نحن نتحدث هنا عن حركة مسلحة تريد إنشاء دولة على أسس الوصايا العشرة، فما هي هذه الوصايا؟

نقتبس هنا من أحد المصادر: «الوصايا العشر في المذهب الكاثوليكي يقصد بها التعاليم الكنسية الرسمية في الكنيسة الكاثوليكية للوصايا العشر المذكورة في سفر الخروج وفي سفر التثنية، والتي تشكل جزءًا من العهد بين الرب وبني إسرائيل»، وتعد هذه الوصايا الأساس والعمود الفقري للنمو الروحي السليم في المسيحية، وأساس الحياة الاجتماعية العادلة، وقد ظهرت الوصايا العشر في الكتابات الكنسية القديمة؛ ويؤكد الكاثوليك أنها هيمنت على التعاليم الإيمانية والدينية منذ عصر القديس أوغسطينوس (354 – 430 ميلادي).

وقسم المسيح عيسى الوصايا العشر إلى «الوصيتين العظيمتين» اللتا نصتا على حب الرب وحب الناس، كما تدعو الوصايا الثلاثة الأولى إلى احترام اسم الرب، وحفظ يوم الرب (يوم السبت)، وتحريم عبادة إله غير الرب، وتشمل بقية الوصايا العلاقات بين الأفراد مثل العلاقة بين الابن والوالدين، وتحتوي أيضًا على تحريم الكذب والسرقة والقتل والزنا والطمع.

من الناحية الأخرى، فإن تنظيم الدولة الإسلامية يدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية كما تتصورها، وبالتالي فإن المبدأ بين جيش الرب وبين داعش لا يبدو مختلفًا كثيرًا. حتى طريقة التطبيق؛ فإذا كان جيش الرب يريد إقامة الوصايا العشر التي تدعو إلى محبة الناس، إلا إنه يقوم بقتل الناس وخطف واغتصاب النساء، وهي أفعال تتعارض بوضوح مع الوصايا العشرة نفسها.

نفس الأمر نجده مع داعش التي تنافي أبسط مباديء الإسلام في نظر العديد من الفقهاء، عندما تذبح وتحرق الأشخاص وتنكل بمن لا يستجيب لأوامرهم وتأخذ السبايا وتضطهد غير المسلمين بطريقة تخالف في أحيان كثيرة ما قال به الفقهاء المسلمين على مر العصور.

من ناحية أخرى فإن جيش الرب أعلن قائده عن نفسه نبيًا جديدًا ليمنح نفس قداسة وسلطة واسعة، وفي داعش، وإن كان من غير المقبول لأحد أن يعلن نفسه نبيًا بعد الرسول محمد في الإسلام، فإن أبوبكر البغدادي نصب نفسه خليفة على المسلمين، وهو المنصب السياسي الأهم في الدول الإسلامية.

يتضح من هنا بمنظور أوسع، أن داعش وجيش الرب يشتركان في نقطة رئيسية: «ما كان عليه في تفسير أعمالهما ويتكئ أساسا على المرجعية التفسيرية للنص الديني. فالغلو في أدبيات هذه التنظيمات الدينية واحد، إذ أنها تستمد شرعية حكمها ووجودها من خلال اسم الرب بما فيه الكفاية لمنح تعاليمها شرعية القضاء على مخالفيها».

يشترك داعش مع جيش الرب في أن كلاهما يسعيان إلى فرض نفوذهما – ليس على رقعة جغرافية ضيقة محدودة والوصول إلى الحكم في بلد معين- بل يسعيان لفرض سلطانهما بطريقة لا تخضع للدول أو القارات، هما يحاولان الوصول إلى سلطة عالمية يمكن لها أن تطال كامل المجتمع البشري.

وفي الوقت الذي نلاحظ فيه تقلص واضح في مساحات الأراضي التي يسيطر عليها داعش في سوريا والعراق، خصوصًا بعد سقوط الموصل في أيدي القوات الحكومية العراقية وتضييق الخناق على مدينة الرقة (عاصمة تنظيم الدولة الإسلامية)، لكن يلاحظ أن الولاء في صفوف مقاتليه لقادتهم لم يتراجع، كما لم تتراجع أيضًا أيديولوجيا الدماء المعتادة لهم. وبنفس العقيدة الموجودة لدى جيش الرب، تؤمن عناصر تنظيم الدولة الإسلامية بأن «المعرفة هي القوة».

الإرهاب والانتشار

يذكر أنه جرى إدراج جيش الرب على أنه مجموعة إرهابية من قبل الولايات المتحدة، على الرغم من أنه جرى إزالته منذ ذلك الحين من قائمة الجماعات الإرهابية النشطة، وقد اتهم بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان، بما في ذلك القتل والاختطاف والتشويه والاسترقاق الجنسي بين الأطفال وإجبار الأطفال على المشاركة في الأعمال القتالية.

في المقابل، تصنف الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدد كبير من الدول مثل الولايات المتحدة والسعودية ومصر والمملكة المتحدة وباكستان وغيرها، تنظيم داعش كتنظيم إرهابي.

وكما تنتشر داعش في عدة دول، سوريا والعراق وليبيا ومصر، ينتشر جيش الرب في عدة مناطق مثل شمال أوغندا وجنوب السودان وأفريقيا الوسطى والكونغو الديموقراطية.

وكما أن تنظيم داعش تعود جذوره إلى تنظيم القاعدة والفكر السلفي الجهادي، تعود جذور جيش الرب إلى أليس لاكوينا، وهي امرأة اعتقدت في ثمانينات القرن الماضي أن الروح القدس تحدث إليها وأمرها أن تطيح بالحكومة الأوغندية حتى ترفع الظلم والجور ضد شعب الأشولي، والأشولي هم مجموعة عرقية تتواجد في شمال أوغندا وجنوب السودان ويبلغ عددهم حوالي 1.2 مليون نسمة، ويدين غالبيتهم بالمسيحية البروتستانتية، وقد تأسس جيش الرب من أفراد من هذه العرقية.

بعد استقلال أوغندا عن بريطانيا عام 1962، أخذت الجماعات العرقية المختلفة هناك تتنافس ضمن حدود النظام السياسي الجديد في أوغندا، وفى عام 1986، فاز التمرد المسلح الذى شنه جيش المقاومة الوطنى بقيادة يورى موسيفينى بالحرب وتمكن من السيطرة على البلاد، وسعى المنتصرون للانتقام ضد المجموعات العرقية في شمال أوغندا، وشملت أنشطتهم عمليات حرق السكان المحليين ونهبهم وقتلهم.

هنا انطلقت شرارة مقاومة شعب الأشولي ضد الحكومة، فقادت أليس لاكوينا مجموعة متمردة أطلقت على نفسها اسم «حركة الروح القدس»، وهي الحركة التي سحقها الجيش الحكومي فيما بعد أثناء تقدمها نحو العاصمة كمبالا، وبالنسبة لجوزيف كوني، فقد التحق عام 1987 بحركة متمردة أخرى، ثم أعلن أنه نبي شعب الأشولي، ليتمكن من قيادة حركة «الروح القدس»، والتي تحولت إلى «جيش الرب»، وادعى كوني أنه كان يتلقى الوحي من الروح التي كانت تظهر له وقت النوم.

في البداية، كان لهذا الجيش حاضنة شعبية كبيرة، لكن مع نقص الموارد بدأ يسلب وينهب من أهالي المناطق الخاضعة له. في عام 1994، اشتد ساعد هذا الجيش بعدما تلقى دعمًا من الحكومة السودانية التي كانت تحاول الانتقام من الحكومة الأوغندية التي دعمت متمردي جنوب السودان.

وأصدر كوني في وقت لاحق أوامره إلى الجيش بمهاجمة القرى ليعمل في أهاليها قتلًا واغتصابًا في حملة ترويع أدت إلى نزوح مليوني شخص من مناطقهم، واختطف جيش الرب الأطفال وسخرهم كجنود وعبيد، وأقنعهم كوني أن الماء المقدس جعل أجسادهم مقاومة للرصاص، كما قيل إنه اتخذ 50 امرأة مختطفة زوجات له.

وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية أمرًا باعتقال كوني، وهو الأمر الذي أُعلن للملأ في أكتوبر (تشرين الأول) 2005، متهمة إياه بارتكاب جرائم ضد حقوق الإنسان من بينها قتل عشرة آلاف شخص وخطف واسترقاق أكثر من 24 ألف طفل، ومع نهاية عام 2006 كان كوني وقسم كبير من جيش الرب للمقاومة قد غادر أوغندا، وحطوا الرحال بجمهورية الكونغو الديمقراطية والسودان المجاورتين.

يذكر أنه في عام 2011، أعلنت الولايات المتحدة إرسال مائة جندي للمساعدة في محاربة جيش الرب، وقام الاتحاد الأفريقي بإرسال قوات إلى أوغندا أيضًا لإنهاء سلطة جيش الرب وذلك عام 2012، وحتى هذه اللحظة لم تتمكن القوات الأوغندية أو حلفائها من القبض على جوزيف كوني أو قتله، رغم التراجع الكبير لقوة جيش الرب.

311 total views, 2 views today

رابط مختصر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *