السبت, نوفمبر 25, 2017

درعا… حكاية محافظة أشعل أطفالها الثورة السورية


كانت حادثة إقدام بعض الأطفال والفتية، في محافظة درعا جنوبي سورية، قبل ستة أعوام، على كتابة عبارات مناوئة للنظام مجرد عود ثقاب أشعل الحطب الذي ظل يتيبس منذ أكثر من أربعين عاما حتى بات جاهزا للاشتعال، فكانت فعلتهم الشرارة الأولى لاشتعال الثورة في سورية.

لم تكن محافظة درعا، الصغيرة والواقعة في أقصى جنوب البلاد، وحدها القابلة للانفجار، بل عموم المحافظات والمدن السورية، وهي حقيقة أبى نظام الرئيس بشار الأسد أن يدركها، وردد كل الأسباب لتفسير ما جرى في درعا وبقية المحافظات، باستثناء السبب الحقيقي، وهو أن الاحتقان بلغ مداه، وأن تغييرا ثوريا كان لا بد أن يحدث، لكن النظام كان أبعد ما يكون عن تلافيه، ولم يكن في جعبته سوى ما ورثه عن حقبة الأسد الأب وأجهزته من إرث قمعي في التعامل مع كل تحرك شعبي.

ولعل كثيرا من الناس يرددون منذ سنوات ما بعد الثورة قائلين: “لو أن النظام تعامل بطريقة أخرى أكثر عقلانية مع الأحداث الأولى في درعا لما كانت الأمور تطورت على نحو ما حدث بعد ذلك، ولأمكن تلافي حمامات الدم وكل هذا الخراب والتعقيد الذي وصلنا إليه”. لكن هل حقا كان بمقدور النظام أن يتصرف على نحو مختلف؟ هل كانت تركيبته تسمح بمعالجة أخرى، ونمط مغاير من السلوك؟

جميع التحليلات تشير إلى صعوبة ذلك، ذلك أن النظام كان وما زال يعيش على قاعدة رئيسية وهي أن التنازل الأول أمام الناس قد يكون هو التنازل الأخير، وأن ما لا تحسمه القوة، يحسمه مزيد من القوة. بهذه العقلية كان يعيش ويتنفس معظم المحيطين بالرئيس الشاب الذي سبق أن استجاب لنصائحهم حين طلبوا منه لجم “ربيع دمشق” الذي أزهر لعدة أشهر في بداية حكمه.

كان تصرف النظام مع أحداث درعا نابعاً من صميم تكوينه كنظام سلطوي مركزي لا يقبل بأي قدر من التشاركية في صناعة القرار، ويعيش على التفاهمات والصفقات مع قوى الخارج، وليس مع شعبه الذي لا يراه أكثر من قطيع ينبغي أن يساق بالقوة.

كتب فتية درعا عباراتهم على حائط مدرسة الأربعين في درعا البلد متأثرين بأجواء الربيع العربي الذي تفتحت أزهاره في تونس ومصر وليبيا. وحين سُئل بشار الأسد في حينه عن تأثير ما يحدث في تلك البلدان على سورية، استبعد ذلك كليا مرددا أن “الوضع في سورية مختلف، وأن عملية التغيير فيها تحتاج إلى أجيال”.

اعتقلت أجهزة النظام الأمنية الأطفال، ونكلت بهم، وصدت ذويهم ووجهاء المدينة الذين طالبوا بالإفراج عنهم صدا منكرا، مس كراماتهم وأعراضهم، فكان الغضب، وكانت الثورة.

خرجت أول المظاهرات الصريحة في مناوئتها للنظام من درعا البلد يوم 18 من آذار/مارس عام 2011 للمطالبة بالإفراج عن الأطفال المعتقلين وعزل المحافظ فيصل كلثوم، ورئيس فرع الأمن السياسي، عاطف نجيب، وهو قريب رئيس النظام، فتصدى لها الأمن برعونة، ليسقط أول قتيلين في الثورة وهما محمود جوابرة وحسام عياش، ولتتصاعد بعدها المظاهرات وتتحول إلى حدث يومي يسقط فيها مزيد من القتلى، وتتحول عملية تشييعهم إلى مظاهرة جديدة يسقط فيها قتلى جدد، وهو ما أثار غضب ليس أبناء المحافظة فقط الذين تنادوا لـ”الفزعة” من كل بلدات وقرى حوران نصرة لإخوانهم في المدينة، بل في عموم البلاد، لتنتقل المظاهرات إلى بانياس واللاذقية على الساحل السوري، وإلى دوما بريف دمشق ودير الزور في شرق البلاد.

 ومع الرعونة التي اتصف بها سلوك النظام في درعا، وعموم البلاد في التعامل مع المتظاهرين السلميين، اشتعلت مدن حوران كلها بالغضب، وأحرق المتظاهرون مقر حزب البعث الحاكم في المحافظة ومبنيين آخرين لشركتي اتصالات مملوكتين لقريب رئيس النظام رامي مخلوف. وبدأ ممثلو المحافظة لدى أجهزة النظام والدولة بالانسحاب وتقديم الاستقالات.

وما زاد في اتقاد جذوة الاحتجاجات، إقدام قوات الأمن فجر الأربعاء 23 مارس/آذار على اقتحام المسجد العمري، وقتل ستة من مئات المعتصمين داخله، وقتل آخرين خارج المسجد، ثم ليسقط عشرات القتلى في اليوم التالي (24 آذار/مارس) خلال تشييع قتلى اليوم السابق.

وبحسب منظمة العفو الدولية فإن 55 شخصاً على الأقل قتلوا في درعا خلال الأسبوع الأول من انطلاق الاحتجاجات، لكن مصادر محلية تؤكد أن عددهم أكثر من ذلك بكثير.

وفي تلك الفترة، طلب رئيس النظام بشار الأسد إجراء تحقيق في مقتل المحتجين بدرعا واللاذقية، وهو تحقيق لم تعرف نتائجه حتى الآن.

ولعل من العلامات الفارقة في المسيرة الاحتجاجية لمحافظة درعا مقتل الطفل حمزة الخطيب والذي تحول إلى أحد أيقونات الثورة السورية، حيث اعتقل الخطيب قرب مساكن صيدا يوم 29 أبريل/نيسان، خلال مشاركته في زحف أبناء بلدته الجيزة لنصرة أهل درعا، لتسلم جثته بعد فترة، وعليها آثار التعذيب والرصاص.

وبتاريخ 4 مايو/أيار عام 2011 فرضت قوات الأمن السورية حصارا على مدينة درعا، وقطعت عنها الكهرباء والماء والاتصالات والدواء، وشنت حملة اعتقالات واسعة طاولت نحو ألف شخص، ما أجج الغضب في عموم البلاد، حيث خرجت مظاهرات في عدة محافظات تطالب بفك الحصار عن درعا. ووقع عدد من الفنانين والمثقفين على بيان شهير طالبوا فيه بفك الحصار، عرف بـ”بيان الحليب”، نسبة إلى المطالبة بإدخال حليب الأطفال إلى المدينة.

وبعد ذلك، التحقت بشكل أوسع مجمل المدن السورية بالحراك الشعبي في درعا، لتنتقل سخونة الأحداث إلى حمص واللاذقية وريف دمشق وبقية المناطق، ثم التحقت درعا بما طرأ على الحراك الثوري من تطورات، أي الاتجاه إلى العمل المسلح اعتبارا من نهاية الشهر السابع عام 2011 حين أعلن تشكيل الجيش السوري الحر بقيادة العقيد رياض الأسعد، والذي لم يخض أولى معاركه إلا في أواخر أيلول/سبتمبر في بلدتي الرستن وتلبيسة شمالي حمص.

اتسع الحراك المسلح في المحافظة في العام الثاني للثورة، حيث زادت المناوشات مع قوات الأمن والجيش، بعد أن تشكلت غرفة “الموك” في الأردن وهي غرفة عمليات تضم بعض الدول الداعمة للثورة السورية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ودول عربية في مقدمتها الأردن.

وما أن جاء العام الثالث حتى بدأت العديد من مناطق المحافظة تسقط بيد مقاتلي المعارضة بدءا من الريف الشرقي، وصولا إلى معظم مناطق المحافظة في العام الرابع للثورة الذي اتصلت فيه مناطق المعارضة في محافظة درعا مع مناطق المعارضة في محافظة القنيطرة، وبدأ الحديث عن زحف محتمل من المحافظتين باتجاه العاصمة دمشق، وهو حديث أثار أقلق النظام الذي بدأ يعد العدة للانقضاض على المحافظة خاصة بعد التدخل العسكري الروسي في البلاد.

واعتبارا من نهاية العام 2015 بدأ الطيران الروسي باستهداف مدن وبلدات درعا بشكل مكثف، ووفّر غطاءً جوياً لقوات النظام ومليشياته للمرة الأولى خلال حملة النظام على مدينة الشيخ مسكين، ما مكن النظام من استعادتها في مطلع العام الماضي، ومن ثم التقدم إلى بلدة عتمان شمال مدينة درعا، وليسيطر النظام بعدها بمساعدة مباشرة من حزب الله والمليشيات الإيرانية على قرى ومواقع استراتيجية في شمال المحافظة فيما يعرف بمنطقة “مثلت الموت”، تلك التي تفصل محافظات درعا والقنيطرة وريف دمشق، والتي كانت تمثل نقطة التجمع لهجوم المعارضة المحتمل على دمشق.

ومنذ أكثر من عام تنشغل محافظة درعا بمحاربة أنصار تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) في المحافظة، والذين تجمعوا أخيرا في منطقة حوض اليرموك بعد أن اتحدوا تحت اسم “جيش خالد بن الوليد” وما زالوا يشكلون الهاجس الأمني الأخطر على المحافظة، في ظل صمت مريب عنهم من جانب النظام والدول المجاورة لمحافظة درعا، فيما لم يستهدفهم الطيران الروسي الذي يقصف مدن وبلدات المحافظة ولا مرة واحدة.

وبعد طول سكون، بدأ مقاتلو المعارضة معركة قبل أكثر من شهر للسيطرة على حي المنشية وهو الوحيد المتبقي بيد قوات النظام في درعا البلد، وحققوا فيها بعض التقدم، لكن المعركة تباطأت قليلا بسبب إحجام غرفة الموك عن دعمها.

وتعيش محافظة درعا اليوم محنة مشابهة لبقية المدن السورية، حيث نزح نحو نصف سكانها البالغ عددهم أكثر من مليون نسمة نحو الأردن، في حين نزح أكثر من 300 ألف داخل المحافظة. وقتل منذ بداية الثورة أكثر من 13600 شخص من أبناء المحافظة بحسب مكتب توثيق الشهداء في درعا.

العربي الجديد 

رابط مختصر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *