الثلاثاء, نوفمبر 21, 2017

شهادات على هامش “محرقة صيدنايا”


لا تكاد تمضي فترة، إلا تظهر أدلة وحقائق جديدة حول “المسلخ البشري” أو “محرقة البشر” كما يُمكن وصفها من خلال تقرير وزارة الخارجية الأميركية الصادر أخيراً، حول سجن صيدنايا العسكري، الذي صُنّف على أنه أبشع مكان على وجه الكرة الأرضية، من قبل كل من تعرض للاعتقال فيه.

في هذا السياق، أفاد شبال إبراهيم، وهو من مؤسّسي حراك الشباب الكردي في سورية، الذين شاركوا بالثورة السورية، واعتقلته قوات النظام وحولته إلى سجن صيدنايا، بأن “ما كان يجري أفظع من المحرقة بكثير”، لافتاً إلى أن “السجناء لم يكونوا يعرفون أي معلومة عن السجن، أو عدد المعتقلين أو شكل البناء، أو حتى في أي طابق هم يعيشون، بسبب اختيار النظام السوري لمجنّدين وضبّاط على درجة عالية من السرية لإدارة السجن”.
وأضاف إبراهيم خلال حوارٍ مع “العربي الجديد”، أمس الثلاثاء، أنه عرف بالحجم الكبير للسجن وتعدد مبانيه بعد أن غادر السجن، مؤكّداً أن القائمين عليه “كانوا يحرصون على التكتّم الشديد، خشية من أي عملية استعصاء بين المعتقلين، الأمر الذي يجعلهم في ورطة”.

وبيّن إبراهيم أن “المعاملة مع المساجين كانت سيئة لدرجة أنه من الممكن توقّع أن هناك فظائع أكبر من المحرقة بكثير”، مشيراً إلى أن “الاتصال كان ينقطع بشكلٍ كامل مع المعتقلين الذين كانوا يغادرون مهجعه والمهاجع المجاورة، وهو ما يؤكّد تصفيتهم. وذلك بسبب أن الأشخاص الذين يخرجون من المفترض أن ينتقلوا إلى سجن مدني ويتواصلوا مع ذويهم، لكن ذلك لم يكن يحصل إطلاقاً”.

ولفت إلى أن “موت المعتقلين كان حالة طبيعية جداً داخل السجن”، مستحضراً في إحدى المرّات كيف توفي أحد المعتقلين، وقام العناصر بضرب جثّته لمدّة نصف ساعة بعد أن فارق الحياة”. وتابع: “كانوا يخبروننا بأننا لم نأت إلى هنا لنموت، وإنما لنتعذّب”، لافتاً إلى أن “كل أنواع التعذيب النفسي والجسدي كانت تُمارس داخل السجن”.

بعد سنة وخمسة أشهر من الاعتقال داخل السجن، نُقل إبراهيم إلى المخابرات الجوية، إحدى أسوأ أفرع الأمن السوري سُمعةً، لكن على الرغم من ذلك قال إن “المعتقلين كانوا يتمنّون البقاء في زنازين المخابرات الجوية رغم كل ما يحصل بها من تعذيب، مقارنة مع الفظائع التي كانت تُرتكب في سجن صيدنايا”.

 وأردف أنه “حتى لو سقطت دمشق فإن كثرة القطع الأمنية والعسكرية والسلاح الموجود داخل السجن وفي محيطه، يجعله يدافع عن نفسه وصعب السقوط في حالات المعارك”، مؤكّداً أن “حجم السجن كان كبيراً إلى درجة أن هناك مسافة كيلومترين بين الباب الرئيسي والمبنى الأحمر، المخصّص للذين لديهم أنشطة ثورية كالتنسيق والقتال ضد النظام السوري”. ورأى أنه “خلال الفترات المقبلة سيتم كشف حقائق أكثر فظاعة حول السجن”.

من جهتها، روت مديرة المعتقلين في الشبكة السورية لحقوق الإنسان، نور الخطيب، لـ”العربي الجديد”، أمس الثلاثاء، أن “هناك العديد من الناجين من سجون وأفرع النظام، أكدوا للشبكة أنهم سمعوا خلال فترة اعتقالهم عن وجود محارق يستخدمها النظام لحرق الجثث والتخلص منها”. وأضافت أن “الشبكة خلال إعدادها لتقرير الهولوكوست المصور، أكد الناجون فيه أنهم سمعوا بوجود محارق في التل بريف دمشق ومشفى حرستا العسكري. ولكن بسبب التدابير الأمنية العالية التي يتبعها النظام لإخفاء تسريب مثل هذه الأدلة، لم تتمكّن الشبكة من إثباتها بأدلة أخرى غير روايات الناجين”.

ولفتت الخطيب إلى أن “اتساع مساحة السجن، إضافة إلى بُعد المحارق عن أماكن المعتقلين، فضلاً عن وجود العاملين في السجون الذين يكون ولاؤهم للنظام كبيراً ويخضعون للمراقبة حرصاً على عدم تسريب أية معلومات، يعيق توثيق محارق الإعدام الجماعي بغير رواية الشهود الناجين، لكن الصور التي بثتها الخارجية الأميركية، هي أدلة جديدة ومضافة لإثبات لجوء النظام لإقامة المحارق”.

وفي حين أن الكشف الأميركي الأخير عن “محرقة صيدنايا”، والذي كان سبقه تقرير منظمة العفو الدولية التي سمّت السجن بـ”مسلخ بشري”، ركز على جرائم القتل الجماعي في سجن صيدنايا، فإن مشهد الإعدام الجماعي للمعتقلين، ينسحب على أقبية أفرع أمن النظام الأخرى، وهو ما كان وثقه أحد مصوري الشرطة العسكرية المعروف بـ”القيصر”، الذي انشق عن النظام السوري، وعرض نحو 55 ألف صورةٍ تثبت إعدام النظام السوري لآلاف المعتقلين، بينهم نساء وأطفال ومُسنون.

وروى الباحث السوري ساشا العلو، لـ”العربي الجديد”، أمس، جانباً من معاينته لإعدامات وقعت في ما يعرف بـ”فرع المنطقة 227” بمدينة دمشق، إذ إن العلو كان اعتقل لأربعة أشهر هناك، ممتدة من ديسمبر/ كانون الأول 2013، حتى مارس/ آذار 2014.

 وأشار إلى أنه في هذه الفترة، عاين بعينه “ما لا يقلّ عن 714 جثة لمعتقلين قتلوا داخل زنزانات الفرع المذكور”، مضيفاً أنه “كان من بين (مجموعة السُخرة)، وهم من المعتقلين الذين يجبرهم سجانو الفرع على حمل جثث القتلى من المعتقلين في كل صباح من داخل الفرع إلى ساحته الخارجية، حيث يتم نقل الجثث لاحقاً لمكان مجهول، يُرجح أنه في منطقة نجهة قرب دمشق، حيث يتم دفنهم ضمن قبور جماعية”.

وأكد العلو أنه خلال الفترة التي كان معتقلاً فيها بفرع المنطقة 227، “كانت عمليات التصفية الجسدية للمعتقلين حينها، تتم بصورة شبه يومية”، مؤكداً أنها “فترة كان سجانو النظام فيها بذروة الاحتقان، نتيجة الهزائم التي كانت قواته تُمنى بها في معارك الجبهات المختلفة”.

وأشار إلى أن “الإعدامات كانت طائفية بالدرجة الأولى. والقتلى من المعتقلين كانوا يوضعون في دورات المياه، ومكان آخر مخصص للجثث، فتتراكم فوق بعضها طيلة فترة النهار، ويحملها معتقلون آخرون هم (مجموعة السُخرة) في كل صباح إلى ساحة الفرع الخارجية”.

ولفت إلى أن “جثث القتلى التي عاينها من المعتقلين تعود لأربع شرائح أساسية، هي المعتقلون الذين لفظوا أنفاسهم الأخيرة نتيجة التعذيب الوحشي، والمعتقلون الذين كان عناصر الأمن يقومون بتصفيتهم وغالباً هم من شخصيات معينة لها علاقة بتنظيم الاحتجاجات ضد النظام، والمرضى الذين توفوا نتيجة عدم وجود أي عناية طبية (مصابون بتقرحات نتيجة التعذيب، أو نتيجة أي أوبئة أخرى كانت تنتشر)، والمعتقلون الذين انهاروا نفسياً نتيجة ظروف الاعتقال المأساوية وفقدوا ذاكرتهم نتيجة لذلك وتوفوا لاحقاً”.

العربي الجديد

رابط مختصر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *