الخميس, نوفمبر 23, 2017

فلاش_باك 2.. من القصير إلى حلب

الانسحاب من “القصير”!

بعد أن وصلني جزء من يوميات مقاتلٍ في القصير؛ ونشرته في العدد الأول من مجلة تواصل 2013؛ وصلني بعد الانسحاب من القصير الجزء الثاني من تلك اليوميات؛ فنشرته في العدد الثاني من “تواصل” حين لم يكن أحدٌ وقتَهَا يتحدثُ عن أولِ خياناتِ أمراء الحرب؛ التي لم تنتهِ مع حلب.. بالطبع!.

الجزء الثاني: الانسحاب من القصير
يوميات: علاء الدين الرفاعي

*- الساعة 10 مساءً – الثلاثاء 4 حزيران 2013
لم تُفارق الدموعُ أعينَ المُقاتلين حين اتُخِذَ القرار بالانسحاب؛ لم يكن هناك من خيار آخر؛ كان المدنيون والجرحى عبئاً على كاهلهم لا يمكن تصوره.
فقبل أيام طلب المقاتلون في المدينة من كافة المدنيين الخروج منها وتدبُّرِ أمرهم للوصول إلى منطقة آمنة خارجها؛ لكن للأسف.. فأعداد قليلة استجابت للدعوة وبعضهم رفض الخروج؛ كان جوابهم:
“ما رح نطلع؛ اللّي بيصير عليكم بيصير علينا”. لم يعلمو أن بقائهم في المدينة هو عبء آخر يقع فوق أكتاف المقاتلين؛ والغالبية منهم لم تتجرأ على الخروج بسبب استهداف حزب الله لسياراتهم اثناء توجههم إلى خارج المدينة؛ إضافة إلى اعتقال الجيش الأسديّ للبعض الآخر.
حان وقت الرحيل؛ كان الجميع متوتراً ويكاد يبكي من غصّة الألم؛ لا أحد يرغب بترك المدينة؛ حَمَلَ كلٌّ منّا سلاحه وما استطاع من الذخيرة؛ جهزنا السيارات وانطلقت الأرتال باتجاه الطريق المؤدي إلى قرية “الضبعة” ومنها إلى “البويضة”؛ تمّ تبليغ الجميع بقرار الانسحاب؛ ولم يتبق سوى بعض المدنيين من كِبَار العمر رفضو ترك منازلهم؛ أما البقية فساروا في أرتال طويلة طيلة الليل حتى وصلو إلى “البويضة” والبعض بقي في قرية الضبعة.

*- صباح الإربعاء 5 حزيران 2013
تدبّرنا أمرنا في النوم تحت الشجر وفي حقول قرية البويضة؛ لنستيقظ بعد وقت قصير على صوت الراجمات والصواريخ التابعة لحزب الله تنهال على المنطقة كالمطر؛ ليأتي بعدها الطيران الحربي ويشن غاراته عليها بشدة؛ وكأنه يخبرنا بأننا نتابعكم وسنبيدكم في البويضة ذاتها.
كانت أرتال المدنيين كبيرةً بشكل لا يُمكِن تصوُّره؛ وينتشرون في معظم البساتين دون ماء أو طعام؛ حاولنا اقتلاع بعض البطاطا من البساتين وشيّها على النار؛ وتناولنا بعض المعلبات كانت مع البعض دون خبز؛ استعنّا بأوراق العنب لنأكلها بينما القذائف تتساقط من كلّ حدب وصوب فوق أرتال المدنيين.
قضينا اليوم بأكمله في البلدة؛ وخلاله تمّ الترتيب من قبل القادة لآلية إخراج الناس من المدينة؛ انقسم القادة بين رأيين؛ الأول: ينادي باستخدام القوة العسكرية التي توفرت في المنطقة؛ والتي تُقدّر بأعداد كبيرة نظراً لتجمع مقاتلي القصير والبويضة ومن كافة القرى المحيطة في المنطقة؛ ما شكّلَ قوةَ عسكريةً كان بإمكانها فعلاً لو سُخِّرَت بالشكل الأمثل؛ أن تفتحَ الطريق العام؛ وتسمح للجميع بالعبور.
رغبة الاشتباك لدى بعض القادة كانت لإخراج العتاد الثقيل معهم بسياراتهم خارج المنطقة؛ في حين كانت رغبة البعض الآخر بأسلوب التسلّل؛ لتقليل أكبر عددٍ مُمكنٍ من الضحايا بين المدنيين أثناء الخروج؟
كان عبءُ الطريق يقع على كاهل أهل المنطقة ومقاتليهم لخبرتهم بالمنطقة.
دخل بعض القادة اللذين تكفّلوا بتأمين الطريق ومعهم شخص من البويضة لا اذكر اسمه ليخبروا الجميع بان هناك طريقا سالكاً إلى خارج المنطقة؛ وأنهم سينشر عناصرهم من المنطقة وحتى الفتحة لتأمين خروج الناس منها؛ ثمّ قَدِمَ أحدهم ليبلغ الجميع بأن أبو أحمد جمعة قد أمّن طريقاَ ثانياً للخروج من جهة “الضبعة” حاول القادة التواصل معه لإرسال أعداد من المدنيين إليه عسى أن يخفّ الضغط على كاهل المنطقة. “الأمور بخير والطريق سالك.. خَلُّوا الناس تمشي ”
هذا آخر ما تكلم به عمّار؛ فبدأت الناس تجهز أنفسها وتوجهت من البويضة باتجاه فتحة الاتستراد الدولي اللتي سنعبر منها الى الجهة الشرقية؛ خلال هذا الوقت استخدمت الانترت واتصل بي الصليب الاحمر الدولي يُخبرني بأنه تمّ الترتيب والتوصل لاتفاق مع حزب الله بايقاف القصف والسماح بالخروج للمدنيين والجرحى من المنطقة؛ وأن القصف بالكامل قد توقف؛ فلم أكد أُنهِي المكالمة حتى سقط عدد من الصواريخ بعضها قريب جداً منّي اصاب أحدها رتل المدنيين.
تكلّمت مع الصليب الاحمر؛ فقالوا بأنهم سيحلون الموضوع؛ لكن لم نرَ شيئا من ذلك على الارض؛ ليُعلِنَ حزب الله بأنه لا يلتزم بأيّ اتفاق.

*- الساعة الحادية عشرة مساءَ
لم ينجحوا بالتواصل مع أبو أحمد جمعة فانطلقت الأرتال؛ سيمشي البعض؛ والبعض الآخر بالسيارات مسافة قصيرة ثم سيترك الجميع سياراتهم ليتابعو سيراً على الأقدام؛ تركنا سيارتنا وبدأنا المسير كانت الجموع غفيرة والأعداد هائلة وأعداد السيارات التي تُركِت كثيرة جداً.
بدأ المسير لا نعلم من أين؛ كنّا فقط نتبع من سبقنا؛ صادفنا بعض المقاتلين فأخبروننا بالاتجاه الواجب علينا سلكه؛ مشينا مسافات طويلة حتى وصلنا إلى أحد بساتين اللوز؛ وهنا فقدنا الطريق؛ لم نعلم أين يتوجب علينا التوجه لا يوجد دليل والساعة قاربت من الثالثة فجراً.
جلست الناس كلّها على الأرض بين الأشجار في انتظار أحدِ يدلّهم على الطريق؛ حاولتُ جاهداً الوصول إلى شخص يعرف الطريق فلم أستطع؛ فتحتُ موبايلي ونظرتُ إلى الخريطة؛ كنّا مقابل بلدة “الحسينية” ونبعد أكثر من 5 كم عن النقطة الواجب قطعها لنصل إلى الطرف الآخر من الأوتستراد.
بحساب بسيط للوقت اللازم لقطعها مع أعداد الجرحى الهائلة والمدنيين سيسطع ضوء النهار علينا قبل أن نصل إلى النقطة المطلوبة ما يعني حصارنا بين الحواجز الأسدية.
حاولت الاسراع بالمسير فأضعتُ من معي؛ وأحسّ الحاجز بحركتنا في الليل لكثرة المدنيين فبدأ بإطلاق النار علينا برشاشات مضادات الطيران 23 وبمدافع ال57؛ إضافة إلى قذائف دبابات وكميةٍ كبيرةٍ من صواريخ الراجمات التي حاول حزب الله والنظام جهدهما لتسقطَ بين المدنيين.
كنّا حين نرى قنبلة مُضيئة في السماء – وما أكثرها – نستلقي في الأرض خشية أن تستهدفنا الحواجز برشاشاتها التي لم تكن تتوقف خلال مسيرنا.
بدأ الضوء ينتشر ومعه تزداد خطورة التنقل تحت مرأى ومسمع كافة الحواجز والثكنات المحيطة؛ أهمها: حقل الرمي وحاجز الحسينية.
هنا بدأت مجموعات من المدنيين بالضياع وتلاشى الرتل مُتحولاً إلى مجموعاتٍ؛ وكلٌّ منها يحاول معرفة الطريق بنفسه؛ لم يتواجد أيّ دليل للطريق معنا؛ ولا أحد يعلم أين يجب أن نذهب؛ كان اعتمادي بالدرجة الأولى على الخريطة الموجودة على هاتفي لتحديد أين نحن.
كلُّ أدلاء الطريق اختفوا؛ ومن تكفّل بتامين الطريق لم نعد نعرف أين هو ولا أين رجاله.
امتدّ ضوء الفجر في المنطقة وفجأة أصبح الجميع مرئيين بالنسبة للحواجز لتفتح نيران رشاشاتها بالكامل وبغزارة غير معقولة على المجموعات الضائعة لتسوقها بشكل أو بآخر للاختباء داخل بساتين اللوز.

4 – صباح الخميس 06 حزيران 2013 – الساعة 6 صباحاً
الكلّ استلقى تحت أشجار اللوز بين الحواجز وحقل الرمي القريب؛ كنّا مجموعات مُنفصلة؛ وبدأ الجميع بمحاولة التواصل مع من يعرفه للاطمئنان عليه قبل ان نكتشف بأن مجموعة كبيرة من المدنيين والمقاتلين تقدر ب350 شخص ومعهم حوالي ال70 جريح لم ينجحوا بالوصول إلى المنطقة بسبب ضياعهم؛ فعادوا أدراجهم باتجاه البويضة.
استلقى الجميع تحت الأشجار؛ ونحن نسمع بين الحين والآخر إطلاق النار من الحواجز على من يرونه داخل البساتين؛ ومن شِدّة التعب نام الجميع على الأرض بصعوبة بسبب البرد.
في الساعة الثامنة وعشر دقائق تقريباً استيقظنا على صوت الرشاشات وهدير الآليات؛ كان صوت دبابةٍ قريباً جداً منا؛ لا تكاد تبعد عنا عشرين متراً؛ وهاهي قد أصبحت داخل البستان الذي نحن فيه؛ فتحت نيران رشاشها على الجموع ؛ حملنا وعلى عجلٍ ما نستيطع حمله من السلاح الخفيف والجرحى؛ وبدأنا الركض أمام الدبابة وهي لا تتوقف.
“وين رماة القواذف … أعطوني قاذف ” الكلّ ينادي بهذه العبارة؛ والرماة لم يستوعبو ما حصل؛ لم يكن أمامهم سوى الركض مع الجموع باتجاه آخر البستان؛ لتتدخل العناية الإلهية بوجود ساترٍ من التراب والحجارة تمكنّا من الوصول إليه والتمركز خلفه؛ وبدأت المعركة.. كانت الدبابات تحاول التقدّم باتجاهنا يُرافقها عدد من العساكر حين بدأنا بمقاومتها واطلاق عدد من قذائف الآر بي جي باتجاهها؛ حتى بدأت بالانسحاب إلى النقطة التي انطلقت منها في بداية البستان. سقط عدد من الشهداء فوراً وبعض الجرحى؛ ولم نستطع الاقتراب منهم؛ بقوا على الأرض لأكثر من أربع ساعات قبل أن نتمكّن من سحبهم.
عاد بعضنا إلى البستان لسحب ما تركناه من كميات قليلة من الذخيرة و بعض الاسلحة التي لم يتمكّن البعض من حملها لشدة المفاجأة بالدبابات؛ تمركزنا خلف الساتر وأخذنا أماكننا لصدّ أيّ هجوم؛ كان الجميع مُنهكاً من شدّة العطش والجوع؛ لِنُفاجَأ بعد وقتٍ قصير بمحاولة الجيش الاسدي للتقدّم باتجاهنا مرة أخرى؛ من الجهة الشرقية على يمين الساتر لتقوم إحدى المجموعات أيضاً بمحاولة صده هناك.
في هذه اللحظات بدأ الرصاص يصل إلينا من ثلاثة إتجاهات.. من الشرق والغرب والشمال أيضاً؛ ومن الجنوب كانت الحواجز تبعد حوالي 2 كم فقط عنّا.
كنّا بحاجة إلى مساتر لتقينا من الرصاص القادم من الجانبين؛ ولم نملك سوى أيدينا للبدء بالحفر ليجهّز كلّ مقاتل ما يُشبه الحفرة الصغيرة التي هي أقرب ما تكون للقبر منها إلى الساتر. استهلكت هذه السواتر منّا ساعات من الحفر باليدين. وتصدّينا مرةً أخرى للهجوم من الجهة الشرقية “حقل الرمي” تمكّنا من قتل حوالي ال 18 عسكرياً؛ تحدّث البعض عن إعطاب دبابة.. لكنّي لم أرها؛ كما لم نستطع دفن شهدائنا كما يجب؛ حفرنا بأيدينا ما استطعناه؛ ثم أسدلنا عليهم التراب في البساتين؛ لا نملك خياراً آخر؛ كنا مرهقين جداً؛ والبعض منا استطاع النوم من شدة التعب داخل حفرته الصغيرة.
في الساعة الرابعة عصراً تقريبا لم تعد هناك أيّّة محاولات لتقدّم الجيش الأسدي باتجاهنا؛ كان الحصول على الماء تحدياً؛ وبعضنا ثقب أنابيب الري الموجودة في البساتين ليُخرجَ منها ما كان مُتبقياً من المياه. طعامنا كان ثماراللوز فقط.
قبل غياب الشمس بقليل.. كان من تبقى داخل البويضة يتواصل معنا ويُناشدنا لإرسال من يُرشدهم إلى الطريق الذي لا نعرف نحن عنه شيئاً؛ لأنه يتطلّب العبورَ من منطقةٍ تقع تحت سيطرة النظام أيضاً؛ حاول الجميع البحث عن أدلاء للطريق لكن دون جدوى؛ حاولنا إرشادهم عبر الهاتف عندما رَفَضَ من يعرف الطريق العودة إليهم؛ كان الرجوعُ إليهم انتحاراً؛ والدليل يعلم ذلك فلم يكن يجرأ؛ عرضنا عليه كل شيء: خذ ما تريد لكن ارجع إليهم ولم يقبل.
لاحقاً تدبروا أمرهم إلى منتصف الطريق؛ أرسلنا إليهم من يعرف تتمته؛ لكنهم لم يصلوا؛ سيتأخرون عنّا يوماً آخر ليصلوا إلى المكان اللذي علقنا فيه.
مع غياب الشمس بدأت الجموع تتحشد؛ كانت الأعداد هائلة لا يُمكن تصوّرها؛ كانت أرتالاً كبيرة تمتد لمئات الأمتار من السيل البشري: مدنيين؛ جرحى يحملهم المقاتلين؛ نساء؛ ومن كبار السن.
حاولنا تنظيم الأمور في رتلٍ خماسي كبير جداً للمسير؛ تمّ تلقين الجميع التعليمات: لا تُصدروا صوتاً؛ يُمنَع التدخين أو استخدام الموبايل أو إشعال أيّ ضوء مهما كان بسيطاً؛ الصوت قد يُؤدي إلى مصرع الجميع؛ حافظو على الرتل؛ التزمو بأماكنكم.
وفي الساعة الثامنة والنصف تقريباً.. بدأ الظلام يُخيّم على المنطقة؛ إنها ساعة المسير؛ أتى بعض القادة وطلب عدداً من المقاتلين لتأمين الطريق ونشرهم حوله؛ ثم تحرّك الرتل كاملاً بانتظام؛ وباتجاه الشرق إلى بستانٍ اتفقنا عليه؛ لنُفاجأ بأرتالٍ أخرى ضخمةٍ سترافقنا في الخروج من المنطقة؛ لكنها لم تكن مُنظمة؛ كان الصوت والصراخ يملأ المكان؛ كأنه يومُ حَشرٍ بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى؛ ومع هبوط الظلام بدأت الحواجز باستهداف البساتين: صواريخ – رشاشات – قذائف دبابات – هاون.
استبدلنا الطريق بطريق آخر غير ذلك الذي حاولنا الانطلاق منه في اليوم السابق؛ جنَّت كافة الحواجز؛ بدأت باستخدام القنابل المضيئة لتحديد أماكن سيرنا وبدأت صواريخ الراجمات تتساقط وتقترب من مسار طريقنا شيئا فشيئاً. حدثني أحد أصدقائي ليخبرني أنه أضاع الطريق خلفنا ولا يعرف أين يتوجه مع الجموع التي يقودونها؛ كان الضياع داخل البساتين مصيبةً بمجرد تأخرك عن الرتل لخمسة أمتار فقط؛ ستكون كافية لأن تضيع الطريق بالكامل بسبب الظلام؛ كان الجميع مُتعباً ومُرهقاً؛ والبعض يحمل جرحى؛ والبعض الآخر فقد أعصابه في الطريق وبدأ بالصراخ؛ كان الجميع مُتوتراً ينظر إلى الصواريخ تتساقط بين البساتين على مقربةٍ منهم؛ لا يكترث احد لتساقطها وانفجارها المُدمَر؛ سيُتابعون المسير؛ ليس لديهم خيار آخر؛ فالبقاء في المنطقة انتحار بحد ذاته.
اجتزنا رجم الحجارة؛ توجّهنا نحو الشرق بموازاة طريق الزفت الواصل الى “الحسينية” لنصبح أمام الحاجز مباشرة؛ وطلقات قنّاص تمرّ فوق رؤوسنا؛ الحاجز لم يرنا لكنه توقع وجودنا في البساتين؛ ولهذا يرمي طلقاته العشوائية باتجاهها.
يسقط جريح أمامي بطلقاته؛ وسقوط قذيفة بين الجموع سيقتل الكثير؛ طلقة عشوائية ستصيب هدفاً لا على التعيين؛ سرنا باتجاه الشرق قليلاً لنبتعد عن مدى رشاش 23 كان مُتوضعا في الحاجز الأسدي؛ لحظات ثم بدأت أسمع أصوات الناس حولي وهي تأكل؛ تركوا الرتل وبدأ الجميع ينتشر في أحد الحقول لأجدهم يحاولون سدَّ رمقهم بالملفوف؛ تناولت قطعة منه أيضاً؛ الجميع عطش ولا يملكون خياراً آخر.
تابعنا التقدم باتجاه الاوتستراد لنصل إلى أقرب نقطة إليه وهي مدرسة السواقة؛ كنّا نسير بجانب الجدار الجنوبي للمدرسة.. كانت الساعة بحدود الثانية عشرة ليلاً.

5 -يوم المحشر
منتصف ليلة السادس من حزيران 2013
وصلت طلائع الرتل اللذي كنتُ أسير معه إلى الجدار الجنوبي لمدرسة السواقة؛ أعداد هائلة من المدنيين والمقاتلين اللذين يحملون الجرحى والتعب الشديد ظاهر عليهم؛ بعض الجرحى على الأرض طلبوا من المقاتلين إنزالهم ليستريحوا؛ البعض الآخر لا يجد من يساعده في حمل جريحه وقد جُنّ جنونه وبدأ بالصراخ طالباً مساعدته في حمل الجريح؛ لم يلتفت إليه أحدُ حينها؛ كل واحدٍ كان يُفكّر في مصيبته وكيف سيتمكّن من المسير؛ تحرّك الرتل باتجاه طرف المدرسة؛ ساتر ترابي صغير قبل الوصول إلى الطريق تجاوزه عدد كبير من الناس و الجرحى وبعض المقاتلين قدرت العدد بالمئتي شخص كنت أسير خلفهم … كان الكل متخوفاً الدليل يسير في مقدمة الرتل مع احد القادة الذي تلقى اتصالاً؛ ثم أخبرنا بأن الاوتستراد قد تم ربطه؛ وأنعناصرهم سيؤمنونه ليفتحو الطريق لنا.
ثوانٍ قليلة بعد اجتياز مقدمة الرتل للساتر الترابي فوجئت الجموع بكمين للجيش أمامهم مباشرة؛ وبنيران الرشاشات الثقيلة والخفيفة على مقدمة الرتل؛ رأيت الرصاص يخلط دماء الشهداء بالتراب المتطاير من الساتر؛ فُتحت النار علينا من 3 اتجاهات؛ وصعق الناس حين عاد منهم حوالي المائة تقريباً؛ الباقي استشهد معظمهم؛ ونجا قليل جداً لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة؛ تمكنوا لاحقا من الزحف تحت الرصاص ومتابعة الطريق إلى الطرف الآخر من الاوتستراد.
تراجعت الناس إلى الخلف وتركت الجرحى من شدة الخوف؛ كان حولي ما يزيد عن الثلاثين جريحاً؛انبطحنا بجانب الحائط لقرب الرصاص منّا؛ والبعض الآخر هرب عائداً باتجاه حقل الملفوف؛ لم يعد هناك دليل في المكان ولا مجال للتراجع يجب أن يتابع الجميع السير باتجاه الطرف الآخر من الاوتستراد وإلا سيموت الجميع؛ سمعت رشاشات الدبابات وحركتها ثم بدأت قذائف الدبابات والصواريخ تنهال في المنطقة ومن ورائي سقطت احدى القذائف ضمن الرتل فقتلت عدداً من الناس و جرحت عددآ آخر؛ بدأت بالصراخ ببعض من بقي هناك سألتهم ” بدكم ترجعوا ” كانت إجابتهم ” لا طبعاً رح نموت إذا ما قطعنا بس ما بنعرف الطريق ولا وين بدنا نروح”.
لم أكن أعلم أيضاً.. أين الطريق؛ كل ما أعرفه أن الضوء الشديد على الطرف الآخر من الأوتستراد هو منطقة آمنة لنا؛ عرفت ذلك حين كنّا بطريق الذهاب للقصير قبل شهرين؛ ولم أكد أشير بيدي إلى الضوء ونطقت أن من يصل إليه سيكون بأمان حتى تركت إحدى النساء زوجها وبدأت بالركض باتجاه الضوء من تحت الأشجار وفعلاً كتب لها أن تعيش وتمكّنت من الوصول بسلام.
تشجّع عددٌ ممّن كانوا معنا؛ فانطلقنا باتجاه الطرف الآخر من الاوتستراد؛ لم يكن طريقاً كان كل ما علينا فعله هو الزحف تحت الاشجار.
وممّا عرفناه عمّا حدث لغيرنا.. أن إحدى النساء كانت تحاول تجاوز الطريق مع ابنها فأصيب بطلقة واستشهد بجانبها؛ قبّلت وجهه وتركته في مكانه وتابعت طريقها.
نعم.. بعضنا شبَّه الطريق: بالصراط المستقيم؛ والكلّ يجب أن يسلكه.
البعض سيهلك أويُصاب؛ لكن البقية سيتابعون طريقهم؛
كان بعضنا يُردّد: ” يومَ تذهل كلّ مُرضعةٍ عمّا أرضعت “.
هناك من ترك أخاه وهو جريح على الأرض لعدم تمكّنه من حمله؛ وهناك من ابتعد عن أبيه لينفذ بجلده إلى الطرف الآخر من الأوتستراد.. كانت النار تشتعل في المحاصيل القريبة من شدّة القصف والرشاشات لا تكاد تهدأ؛ خصوصاً من الدبابات؛ لم يكن الحديث عن ربط الطريق من قبل المقاتلين من خارج القصير صحيحاً؛ لم نجد أحداً؛ القائد الذي معنا في مقدمة الرتل جريح وقد تمكّن من الزحف ليتجاوز مكان المجزرة؛ وحين وَصَلَ إلى منطقةٍ فيها أبنية كثيرة تُدعى “مدينة الأحلام” استدعى مقاتلين اثنين كانو من دير الزور رآهم أمامه وابلغهم عن مكان الكمين؛ جلبو الرشاشات وبدأو باستهداف الكمين الأسدي؛ ليُوقفوا استهدافه للجموع المتقدمة.
توجّهنا إلى داخل مدينة الأحلام وبدأنا نسمع المقاتلين الذين تخلّفوا عنّا؛ يطلبون من يرشدهم والاعداد أيضا كبيرة جداً … حاولنا التواصل معهم عبر اللاسلكي لنخبرهم أين سيتقدمون؛ كانت القذائف تنهال فوقهم من كل حدب؛ والنار اللتي اشتعلت في المحاصيل تنير المنطقة حولهم لتستهدفهم الحواجز؛ ناهيك عن القنابل الضوئية اللتي لم تفارق سماء المنطقة.
كان هذا شبيهاً بيوم القيامة؛ مَحشَرٌ بكلّ ما تعنيه الكلمة من معنى.
بدأت المجموعات الضائعة تجد طريقها إلى الأوتستراد لتتجه نحونا؛ وبدأ النهر البشريّ بالوصول إلى مدينة الأحلام : “وين المَيَ”.. “بدنا مَيَ يا عمي” ؛ كان هذا همَّ الجميع؛ الكلّ يريد ماءً ويسأل أين يجده؛ ومن وصل إلى داخل بناءٍ.. نام فوراً من شدة التعب؛ السيارات تأتي لتأخذ الجرحى وتذهب بهم من المنطقة؛ كانت أعدادهم هائلة؛ وبعض من كان معنا تدبّر أمره بالسيارات وغادر المنطقة أيضاً؛ البعض الآخر تابع سيره باتجاه بلدة “الديبة” التي تبعد حوالي ال 4 كم أيضا عن المكان ؛كان سيلاً بشرياً بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى؛ أهالي بلدة ” الديبة” حزموا أمتعتهم فور رؤية الجموع وغادروها لشدّة الخوف ممّا قد يلحق ببلدتهم أيضاً.
بقينا داخل مدينة الأحلام حتى الصباح لنتواصل مع منهم خلفنا ونُرشدهم للطريق؛ كانت المجموعة التي تأخرت عنّا بمسافة يوم وبقيت في البويضة؛ قد وصلت إلى المكان اللذي انطلقنا منه تلك الليلة “بساتين اللوز” أعدادهم تُقارب ال 500 شخص بعد انضمام عددِ آخر ممن أضاعو الطريق أيضا إليهم.
الساعة السادسة صباحاً من يوم الخميس السادس من حزيران.. طلعت الشمس اتجهنا باتجاه بلدة “الديبة” سيراً على الأقدام كانت الجموع مُخيفةً وأهالي البلدة يُغادِرونَهَا كمثل الذين غادروا “القصير”…….

رابط الجزء الأول – https://goo.gl/2o5Wle

 نجم الدين سمان 
رابط مختصر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *