الخميس, مايو 25, 2017

محاولات روسية جديدة للتلاعب بمرجعية المفاوضات السورية

رصد سوريا 
لم تكن جولة أستانة 3 السورية، التي فشلت، وما رافقها من تسريبات عن مخططات روسيا للإطاحة بالسلال الأربع وهي: الانتقال السياسي، والدستور، والانتخابات، ومكافحة الإرهاب وبناء السلام، التي يفترض أن تكون محور الجولة الجديدة من مباحثات جنيف، سوى تكريس لأحدث المحاولات الروسية الهادفة لتقويض مسار المفاوضات السياسية برعاية أممية في جنيف والتلاعب بمرجعية المفاوضات السورية، وتحديداً جنيف 1، لصالح فرض رؤيتها لما تراه أنه حل في سورية، يُبقي النظام السوري ويحافظ على مصالحها.
يأتي ذلك مع بدء المعارضة تحضيراتها لمفاوضات جنيف المرتقبة في 23 من الشهر الحالي، إذ كشف مصدر في المعارضة لـ”العربي الجديد” أن الهيئة العليا للمفاوضات ستجتمع اليوم الجمعة وغداً السبت في الرياض لبحث التحضير لمفاوضات جنيف المقررة في 23 الحالي، على أن يعقد الوفد المفاوض اجتماعات مماثلة يومي 19 و20 الحالي في الرياض أيضاً، مشيراً إلى أن وفد المعارضة سيتوجه إلى جنيف الأربعاء المقبل، أي قبل يوم من بدء المفاوضات.

وأوضح المصدر أن وفد المعارضة وإن كان قد وافق على جدول الأعمال المقترح من قِبل المبعوث الأممي، ستيفان دي ميستورا، والمتمثل في السلال الأربع، إلا أنه لن يقبل بالخوض في أية قضايا قبل بحث البند الأول المتعلق بالحكم الانتقالي والذي يحاول وفد النظام بالتعاون مع روسيا إفراغه من مضمونه، عبر الحديث عن أشكال من المشاركة السياسية بين النظام والمعارضة ضمن “حكومة وحدة وطنية” أو غير ذلك من الأشكال. وشدد المصدر على أن الحكم الانتقالي لا بد أن يشتمل على تغيير سياسي ذي معنى ومصداقية، وليس مجرد تجميل للحكم القائم الملطخة يديه بدماء مئات آلاف السوريين، وتحويل المفاوضات إلى قضية إرهاب وإجراءات إنسانية، في وقت يعلم فيه الجميع أن النظام هو الطرف الإرهابي الرئيسي في سورية، وأن فك الحصار عن بعض المناطق السورية وإطلاق سراح المعتقلين أمور ينبغي أن يلزم المجتمع الدولي النظام على القيام بها، ولا تحتاج حتى إلى مفاوضات.
وتتزامن اجتماعات المعارضة مع المحاولات الروسية لتقويض المفاوضات وتحوير مسارها، والتي بدأت تتحول إلى أمر واقع، مع صدور بيان فيينا 1 في نهاية الشهر العاشر من العام 2015 والذي استُكمل في بيان فيينا 2 الذي صدر في منتصف الشهر التالي، واللذين غيرا هدف المفاوضات من إقامة “حكم انتقالي بصلاحيات كاملة” إلى تشكيل “حكومة ذات مصداقية وشاملة وغير طائفية”، وهو ما فتح الباب على مصراعيه لإضافة المزيد من “الاجتهادات” التي كان معظمها مصدره روسيا، بحكم هيمنتها على الملف السوري منذ ذلك الحين، لا سميا بعد تدخّلها العسكري المباشر في نهاية سبتمبر/أيلول 2015.
وعلى الرغم من أن بياني فيينا أكدا استنادهما إلى مرجعية جنيف 1 وجنيف 2، وقرار مجلس الأمن 2118، إلا أن عملية استدراج وتفريغ ممنهجة ظلت تقوم بها روسيا لهذه المرجعية حتى وصلت إلى مفاوضات أستانة والتي تتناول إما قضايا إجرائية، أو قضايا سياسية لا ينبغي البت فيها قبل الاتفاق على نوعية نظام الحكم المقبل، ومصير نظام الحكم الحالي، بما يؤمن انتقالاً سياسياً حقيقياً، وليس مجرد تجميل للحكم القائم حالياً. وهو الأمر الذي لطالما كانت المعارضة تتصدى له وتركز مع كل استحقاق سياسي على إعادة البوصلة إلى الاتجاه الصحيح، ما تُرجم بتمسكها في كل مرة تدعى فيها لحضور اجتماعات تتعلق بعملية التسوية السياسية، بالتأكيد على مرجعية جنيف 1، وهو ما يلقى قبولاً “شكلياً” من الأطراف الدولية.

وفي هذا السياق، جددت الهيئة السياسية للائتلاف الوطني السوري المعارض، خلال اجتماعها أمس في اسطنبول، التأكيد على مرجعية جنيف في مفاوضات التسوية. وقال أمين سر الهيئة السياسية رياض الحسن في ختام اجتماعات عقدتها الهيئة يومي 15 و16 الحالي تحضيراً لاجتماعات جنيف المقررة في 23 الشهر الحالي، بحضور أعضاء في الهيئة العليا للمفاوضات والوفد المفاوض والوفود الاستشارية والإعلامية، إن الاجتماعات بحثت عدداً من الأوراق التي يجري العمل عليها، وتتضمن مسارات التفاوض التي أعلن عنها المبعوث الأممي، ستيفان دي ميستورا، والتي تشكل جدول أعمال الجولة الجديدة من التفاوض. ولفت الحسن إلى أن هذه الأوراق تتضمن “القضايا المتصلة بإنشاء هيئة حاكمة جديدة خلال ستة أشهر، إضافة إلى الدستور والانتخابات ومكافحة الإرهاب وتدابير بناء الثقة”. وأوضح أن المجتمعين وضعوا ملاحظاتهم على الـ”لا ورقة” التي قدّمها دي ميستورا في جولة التفاوض الأخيرة، وتتضمن المبادئ الأساسية.
وفي حديث لـ”لعربي الجديد”، قال الحسن إن “الاستراتيجية الروسية تسير نحو انقلاب شبه كامل على مرجعية جنيف، مع ترك النتائج النهائية لتصدر بقرار من الأمم المتحدة لتأخذ الصفة الشرعية فقط”. وأشار إلى أن روسيا استخدمت لذلك أدوات عدة، “منها ما هو على الأرض، من القصف والقتل، إلى جانب مشروع الهدن والمصالحات، ومنها ما هو سياسي كمؤتمر أستانة، والمنصات التي شكلتها، كي تصل إلى حل يتمثل بحكومة وحدة وطنية تُعطى فيها المعارضة أدواراً هامشية ويحافظ فيها النظام على هيمنته وسيطرته السابقة”.
ورأى الحسن أن هذه الاستراتيجية “لم تنجح إن لم نقل إنها إلى الآن فاشلة، ولا يزال للدور الأممي فرصة في استعادة الملف”، مشيراً إلى أن “جنيف 4 أعطت أستانة، أي موسكو، السلال الميدانية فقط مثل وقف إطلاق النار والمساعدات الإنسانية وتدابير بناء الثقة، بينما أبقت صلب العملية السياسية في جنيف”. واعتبر أنه حتى الآن “لم تحصل أستانة على الدعم الدولي الذي كانت تأمله، وإنما أشير إليها فقط إشارة في القرار 2336”. وأشار الحسن إلى التوقعات بعودة الدور الأميركي قريباً للملف السوري بعد فترة الجمود التي رافقت الانتخابات الأميركية وهو ما قد يغير قواعد العملية السياسية برمتها، كما قال.
كما طالب الائتلاف الوطني، في بيان على خلفية مجزرة إدلب التي ارتكبها الطيران الروسي الأربعاء، بإجراءات تضمن التطبيق الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار ومحاسبة الجهات التي تخرقه، محذراً من “أي محاولة لتحويل الاتفاق إلى ستارة تنفذ خلفها سياسات عجز الاحتلال والاستبداد عن تحقيقها بوسائل أخرى”.
وفي الإطار نفسه، قال الباحث السياسي، حمزة المصطفى، لـ”العربي الجديد”، إنه “من الصعب القول إن روسيا قد نجحت بالانقلاب على مرجعية جنيف تماماً، فهذه المرجعية ما تزال تهتدي بها الأمم المتحدة في مفاوضات الحل السياسي، لكن روسيا نجحت في إحداث مسار رديف في أستانة من المرجح أن تترك مخرجاته تأثيراتها المباشرة على مرجعية جنيف”.
وأضاف المصطفى أن بيان جنيف الأول الذي صدر في منتصف عام 2012 “صيغ في ظل موازين قوى وظرف داخلي وخارجي مختلف عما يجري الآن”، مشيراً إلى أن “هذا البيان الذي غدا عنواناً ومرجعياً للحل السياسي في سورية، تعرض للتحوير والتحريف أكثر من مرة بحسب المستجدات وموازين القوى، لا سيما في بنده الذي ينص على إنشاء هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات، إذ استبدلت هيئة الحكم الانتقالية بمصطلحات أخرى من مرادف حكم ذي مصداقية”.
ورأى المصطفى أن “الانقلاب على هذه المرجعية الآن رهن بمسار أستانة من جهة، وبموقف الفصائل بعدم المشاركة من جهة أخرى، وكذلك الموقف الأميركي، وعما إذا كانت الإدارة الجديدة ستظل غائبة عن مفاوضات الحل السياسي كما جرى في جولة جنيف السابقة ولم توضح موقفها بشكل جلي من الحل”.

ويأتي ذلك بعد يوم من اختتام مفاوضات أستانة التي قاطعتها المعارضة السورية بسبب تواصل انتهاكات النظام السوري لاتفاق وقف إطلاق النار، وعدم قيامه بالمبادرات المطلوبة منه في القضايا الانسانية، فضلاً عن إصرار روسيا على فرض أجندة “منحرفة” للمفاوضات تضع فيها العجلة أمام الحصان، وتدفع للبحث في مزيد من القضايا الاجرائية التي تثبت حكم نظام الأسد، مع تجنّب الخوض في عمق عملية الانتقال السياسي، وفق ما قال يحيى العريضي، المتحدث باسم وفد المعارضة إلى مباحثات أستانة.
وعزا العريضي في حديث مع “العربي الجديد” عدم المشاركة إلى عدم التطرّق في المباحثات السابقة إلى القضايا ذات البعد الإنساني، وأبرزها ملف المعتقلين، ورفع الحصار عن المناطق التي تحاصرها قوات النظام والمليشيات الأجنبية الموالية لها، إضافة إلى عدم إدخال المساعدات الإنسانية إلى المدنيين. وأوضح أن وفد النظام لم يلتزم بتعهّداته بشأن اتفاق وقف إطلاق النار، واستمر في مهاجمة المناطق المدنية وعمليات التهجير للمدنيين. وأكد أن المعارضة غير معنية بنتائج اجتماع أستانة الأخير، خصوصاً ما يتصل بجعل إيران رسمياً ضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار، قائلاً: “إيران تقتل شعبنا وإذا قرّر الروس كقوة احتلال أن يضعوا إيران معهم كضامن مشارك فهذا شأنهم”.
العربي الجديد

رابط مختصر:

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *