الخميس, مايو 25, 2017

من خان شيخون إلى حي الراشدين


أسامة فاروق خلف 

عاش الشعب السوري لحظات لا يمكن أن تنسى، تعد من أصعب الأيام التي مرت على سوريا، فقبل أسابيع سالت دماء المهجرين والفارين من ويلات الحرب إلى منطقة إدلب بحثاً عن الأمن، فكان الموت ينتظرهم بالغازات السامة، وشوهدت أسوأ مناظر يمكن أن يتحملها الإنسان من اختناق الأطفال وكبار السن والنساء، أعادت إلى الأذهان ما جرى في الغوطة الشرقية قبل أربع سنوات تقريباً،

وخرج العالم يتضامن مع الضحايا، واستنفر العالم، ووضعت الفرضيات ورسمت السيناريوهات لما جرى، ومن المسؤول عن الهجوم، فحجم الفاجعة كبير وما تناقلته وسائل الإعلام من صور تدمي الفؤاد، عاشت خان شيخون يوم دامي أسود، يوم تباكى على ضحاياه العدو قبل الحبيب، وستنكرها وتبرأ منه مرتكبيها، كيف لا وصور القادمة تحمل صور لأطفال يصارعون الموت البطيء، تنظر أعينهم على من حولهم وتعجز شفاه عن الكلام، بجهد بكل عزم ليستنشق الهواء، لا أنكر كم بكيت وكم تمنيت لو لم أكُن من أبناء هذا الزمان، ما هذا الزمان الذي يقتل به العربي بيد العربي، بل تستخدم وسائل للموت تقشعر لها الأبدان، وما زاد كربي تباكي أعداء أمتنا ممن احتل أرضي ونهب خيرات بلادي وقتل ويقتل بنا ليل نهار.

ألهذا الحد وصلنا ويتباكى علينا قادة إسرائيل، ويثأر لنا الأميركان؟ ومن الغريب والعار الذي وصلنا له، خرج علينا البعض فرحاً بقصف الأميركي لسوريا معتبراً ذلك انتقاماً، ويحنا ماذا جنينا؟ ألا يكفينا ما بنا من ضعف وهوان؟ ألا يكفينا ما وصلنا له من ذل وانكسار؟ إلى متى الاستقواء بالخارج؟ توقف التاريخ والزمان في خان شيخون، وطرحت التساؤلات هل أصبحت الثورة تشبه الأنظمة القمعية التي ثارت عليها؟

لم يمر سوى اثني عشر يوماً لنشهد فاجعة جديدة، حيث امتدت يد الغدر والإثم لتفتك بالمدنيين، جلهم من الأطفال والنساء وكبار السن، مهجرين من ديارهم وأراضيهم إلى منفاهم الاختياري داخل الوطن، هروباً من القتال بحثاً عن الأمان، وسرعان ما بدأت شاشات الإخبارية تنقل مشاهد لا تقل من الهول والفظاعة عما جرى في خان شيخون، فالجثث متناثر والأطفال تصرخ، والأرض صبغت بلون الدم، وما عدتَ تميز بين الأحياء والأموات،

المشهد مختلف فيه لا ندري مَن هم الضحايا، هذه المرة يد الإثم طالت مدنيين من أنصار أن ظلم المتهم بقتل عشرات آلاف المدنيين، والمتهم بتدمير وتهجير المواطنين وتغيب وتمثيل بجثث وقتل خصومه السياسيين، ومن غرابة الزمان أن يكون الهجوم في حي الراشدين بين الخصوم السياسيين، والمجموعات المسلحة التي أخذت على عاتقها إسقاط النظام الظالم، ومعظمهم فقد قريباً أو هجّر وعانى من النظام، ومع ذلك حملت الصور منظراً يبعث أملاً بأن الشعب السوري ومن ثار على النظام لا يسعى إلى الانتقام، ولا مكان للحقد في قلبه، فهو إنسان، فقد حملت الصور معها بين القتلى والجرحى ومن فزع صورة الإنسان.

خرج الثوار إلى المصابين والجرحى مسعفين مقدمين العون والحماية، تركوا أسلحتهم وحملوا الأطفال والنساء وكبار السن، ونقلوهم إلى المشافي، وأسعفوا من تمكنوا من إسعافه، كيف لا نحزن على دم سفك، وكيف لا أستبشر خيراً بثورة رجالها لا تحركهم أحقادهم ولا يفرحون بمصائب خصومهم؟!

كم كنت حزيناً على من قُتل، وكم كنت مستهجناً لما حصل، صحيح لست من أنصار النظام، ولكن قتل الأبرياء والنساء والشيوخ ليس سمة الأوفياء الثائرين، الخارجين على الظلم، أصحاب المبادئ، من تحكمهم القيم الإنسانية، أنا لا أحكم على أحد، ولا أتهم أحدً بهذا الهجوم الغاشم الآثم، وبقدر ما أُدمي قلبي وأحزنني كما حزنت على خان شيخون، إلا أنه حمل بشائر نصر قريب، نصر حملته أخلاق الثوار، لم أرَ ثائراً يحتفل، أو يأخذ صور سيلفي مع الجثث، كما يفعل مقاتلو النظام، لم أرَ سعادة تملأ وجوه أي من الثائرين، بل كان البكاء يملأ المكان، وكان القتل فيهم وبهم ومنهم كيف لا وهم أبناء البلد وإخوة الدم؟ ولهم عهد وذمة، شتان بين ثائر يحمل في طياته القيم والأخلاق وبين مرتزقة يفرح بالمصائب.

هافنغتون بوست

رابط مختصر:

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *